المكننة للكبار والمعاناة للصغار: أزمة اليد العاملة تعمق جراح الفلاح البسيط

مديحة المهادنة: صحافية متدربة

خبر_أعاد انطلاق موسم الحصاد بعدد من المناطق الفلاحية بالمغرب جرعة أمل إلى الحقول التي أنهكتها سنوات الجفاف، بعدما ساهمت التساقطات الأخيرة في رفع منسوب السدود وإنعاش مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. غير أن هذا التحسن المناخي لم يكن كافيا ليمنح الفلاح المغربي موسما مريحا، في ظل الارتفاع غير المسبوق لتكاليف اليد العاملة والخدمات المرتبطة بعمليات الحصاد.

وفي الوقت الذي كان فيه عدد من الفلاحين يعوّلون على الموسم الحالي لتعويض جزء من خسائر السنوات الماضية، تحولت أجور العمال الموسميين إلى عبء ثقيل يلتهم هامش الربح حتى قبل تسويق أولى المحاصيل. فقد شهدت عدة مناطق فلاحية ارتفاعاً ملحوظاً في “اليوميات”، مدفوعا بتراجع اليد العاملة القروية وتزايد الطلب عليها خلال فترة الحصاد وجني المنتجات الموسمية.

كما ساهم غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف النقل والمحروقات في رفع سقف المطالب المالية للعمال الموسميين، ما زاد من الضغط على الفلاحين، خصوصاً صغار المنتجين الذين يشتغلون بإمكانيات محدودة وهوامش ربح ضيقة.

وفي مقابل اعتماد الضيعات الكبرى على المكننة الحديثة لتقليص الخسائر وتجاوز أزمة نقص اليد العاملة، يجد الفلاح البسيط نفسه أكثر هشاشة أمام هذا الواقع، خاصة مع ارتفاع أسعار كراء الآليات الفلاحية بدورها، الأمر الذي يرفع كلفة الإنتاج بشكل متواصل.

ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة تساؤلات مقلقة بشأن مستقبل الأمن الغذائي واستقرار أسعار المنتجات الفلاحية، في وقت تتزايد فيه أعباء الإنتاج على الفلاح، بينما يواجه المستهلك بدوره موجة غلاء متواصلة داخل الأسواق.

ورغم التحسن الملحوظ في الوضع المائي خلال الموسم الحالي، كشفت الأزمة من جديد أن تحديات الفلاحة بالمغرب لم تعد مرتبطة فقط بندرة التساقطات، بل أيضاً باختلالات بنيوية داخل منظومة الإنتاج، حيث لم تعد وفرة المياه وحدها كافية لإنقاذ القطاع في ظل تصاعد التكاليف وتراجع جاذبية العمل الفلاحي لدى الشباب القروي.

ويبقى الفلاح المغربي، مرة أخرى، الحلقة الأكثر استنزافاً بين تقلبات المناخ وضغط السوق، في انتظار حلول عملية تعيد الاعتبار لقطاع يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وصمام أمان الأمن الغذائي بالمملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى