احتقان خطير في التعليم العالي.. نقابة تتهم الحكومة بـ”شراء الوقت” وتلوّح بالتصعيد

حسين العياشي
بلاغ_يتسع منسوب التوتر داخل قطاع التعليم العالي من جديد، بعدما فجّرت الجامعة الوطنية لقطاع التعليم العالي موجة انتقادات حادة في وجه الحكومة، معلنة رفضها لما وصفته بـ”الحوار الاجتماعي غير الجاد”، في موقف يعكس حجم الهوة التي باتت تفصل الشغيلة عن الوزارة الوصية، ويعيد إلى الواجهة أسئلة الثقة المفقودة بين الطرفين في واحد من أكثر القطاعات حساسية.
البيان الصادر عن الهيئة النقابية لم يكتف بالتعبير عن خيبة أمل عابرة، بل حمل لغة سياسية ونقابية مشحونة، توحي بأن مرحلة الانتظار توشك على الانتهاء. فالنقابة اعتبرت أن اللقاءات الأخيرة لم ترق إلى مستوى تفاوض مسؤول قادر على إنتاج حلول حقيقية، متهمة الحكومة بتدبير الملف بمنطق “ربح الوقت” وامتصاص حالة الاحتقان، دون تقديم التزامات واضحة أو أجندة دقيقة لحسم الملفات العالقة، وفي مقدمتها النظام الأساسي وتحسين الأجور.
ويبدو أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالمطالب المادية، بقدر ما يرتبط أيضا بالشعور المتزايد داخل القطاع بغياب الاعتراف والإنصاف. فموظفو التعليم العالي، الذين ظلوا ينتظرون إخراج نظام أساسي جديد، يرون أن هذا الورش طال أكثر مما ينبغي، في وقت تتسارع فيه التحولات داخل الجامعة المغربية وتتعاظم فيه أدوار الأطر الإدارية والتقنية في تدبير المؤسسات الجامعية ومواكبة الإصلاحات.
وفي لهجة تحمل الكثير من الاستياء، نفت الجامعة الوطنية ما جاء على لسان وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار داخل مجلس المستشارين بشأن عقد لقاءات رسمية معها، مؤكدة أن ما حدث لم يتجاوز اجتماعات إخبارية مع بعض أطر الوزارة، وهو ما اعتبرته محاولة لتقديم صورة مغايرة لما يجري فعليا داخل القطاع. هذا النفي لم يكن تفصيلا عابرا في البيان، بل جاء ليكشف حجم التصدع الذي أصاب قنوات التواصل بين الطرفين، ويعكس أزمة ثقة آخذة في التعمق.
وترى النقابة أن إقصاء “الفاعلين الحقيقيين”، وفق تعبيرها، من طاولة الحوار لا يمكن إلا أن يفاقم الشعور بالإحباط داخل القطاع، خاصة في ظل ما وصفته بغياب التواصل الرسمي الشفاف واللجوء إلى التسريبات لتدبير بعض الملفات. وهي ممارسات تقول الهيئة النقابية إنها تضرب حق الموظفين في الوصول إلى المعلومة الدقيقة، وتفتح الباب أمام مزيد من التأويل والاحتقان.
ورغم تسجيلها لما اعتبرته “إشارات إيجابية” مرتبطة بتحسين الوضعية المادية لبعض الفئات، فإن الجامعة شددت على أن أي زيادات لا تستجيب لحجم التطلعات تبقى محدودة الأثر، خصوصا في سياق اجتماعي يتسم بارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية. لذلك، فإن مطلب الزيادة في الأجور، بالنسبة للنقابة، لا ينفصل عن مطلب الكرامة المهنية وإعادة الاعتبار لموظفي القطاع.
الأكثر دلالة في البيان هو أن النقابة لم تخف استعدادها للانتقال إلى أشكال نضالية تصعيدية، بما فيها الإضرابات والوقفات الاحتجاجية، في حال استمرار ما تعتبره سياسة “التسويف” وتأجيل الحسم إلى ما قبل نهاية الولاية الحكومية. وهي رسالة تحمل في طياتها تحذيرا واضحا من دخول القطاع مرحلة أكثر توترا خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا استمرت الحكومة في التعاطي مع الملف بالوتيرة نفسها.
وفي خضم هذا التصعيد، دعت الجامعة مختلف التنظيمات النقابية إلى توحيد الصفوف وتشكيل جبهة موحدة للدفاع عن حقوق موظفي التعليم العالي، في إشارة إلى أن المعركة المقبلة، كما تراها النقابة، لن تُحسم بالمواقف المنفردة، بل بميزان قوة نقابي قادر على فرض الملف داخل أجندة الحكومة.
وبين حكومة تقول إنها منفتحة على الحوار، ونقابات ترى أن الحوار فقد معناه ما لم يتحول إلى قرارات ملموسة، يجد قطاع التعليم العالي نفسه مرة أخرى أمام مشهد مألوف في الحياة الاجتماعية المغربية: مطالب مؤجلة، ووعود معلقة، واحتقان يتراكم بصمت داخل مؤسسات يُفترض أنها تنتج المعرفة، لكنها أصبحت بدورها تنتظر أجوبة مؤجلة.





