العمل الذي تتذمر منه اليوم… ربما لن يكون متاحاً غداً

د حنان أتركين عضو مجلس النواب

في زمنٍ ليس ببعيد، كان الإنسان يخشى البطالة بسبب الأزمات الاقتصادية أو ضعف التكوين أو المنافسة التقليدية في سوق الشغل. أما اليوم، فقد دخل العالم مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، عنوانها: الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

لم يعد السؤال المطروح هو: “كيف سنوفر مناصب شغل جديدة؟”، بل أصبح: “هل ستبقى بعض المهن أصلاً موجودة بعد سنوات قليلة؟”

العالم يعيش ثورة تكنولوجية غير مسبوقة.

أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على كتابة التقارير، إعداد التصاميم، الترجمة، التحليل القانوني، تشخيص بعض الأمراض، إدارة خدمة الزبناء، بل وحتى اتخاذ قرارات دقيقة في مجالات كانت تعتبر حكراً على العقل البشري.

وفي المصانع، أصبحت الروبوتات تعمل لساعات طويلة دون تعب أو احتجاج أو أخطاء بشرية، وبكلفة أقل على المدى البعيد.

المثير للقلق أن الأمر لم يعد يقتصر على المهن البسيطة أو اليدوية فقط، بل امتد إلى وظائف كان يُعتقد أنها محصنة بحكم الشهادات العليا والخبرة الطويلة.

المحاسب، المترجم، موظف الاستقبال، الصحفي، المصمم، السائق، وحتى بعض المهن الطبية والقانونية… جميعها أصبحت أمام تحدٍ حقيقي.

الأخطر من ذلك أن المجتمعات لا تبدو مستعدة نفسياً ولا تشريعياً لهذا التحول السريع.

فعدد كبير من الشباب مازال يتابع تكوينات أكاديمية تقليدية قد تصبح محدودة القيمة خلال سنوات قليلة، بينما تتغير متطلبات السوق بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على التكيف.

وفي المقابل، نجد أن عدداً من الناس مازالوا ينظرون إلى أعمالهم الحالية باعتبارها عبئاً يومياً فقط، دون إدراك أن مجرد امتلاك وظيفة مستقرة قد يصبح امتيازاً نادراً مستقبلاً.

فالعمل الذي يتذمر منه البعض اليوم، قد يتحول غداً إلى فرصة يصعب العثور عليها.

هذا الواقع يفرض على الدول إعادة التفكير جذرياً في مفهوم الشغل والحماية الاجتماعية والتعليم.

فإذا كانت الآلة ستنتج وتدير وتحلل وتنفذ، فما هو الدور الذي سيبقى للإنسان؟

وكيف سيتم الحفاظ على التوازن الاجتماعي عندما تصبح الإنتاجية مرتفعة لكن فرص العمل محدودة؟

بعض الدول بدأت فعلاً تناقش أفكاراً كانت تبدو خيالية قبل سنوات، مثل “الدخل الأساسي الشامل”، أي منح المواطنين دخلاً ثابتاً حتى دون عمل، لأن الاقتصاد قد لا يعود قادراً على توفير وظائف للجميع.

كما بدأت حكومات أخرى في الاستثمار المكثف في المهارات المرتبطة بالإبداع والابتكار والذكاء العاطفي، باعتبارها المجالات الأصعب على الآلة.

لكن في دولنا، مازلنا في كثير من الأحيان نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كترف تقني أو مجرد وسيلة للترفيه، بينما هو في الحقيقة تحول اقتصادي واجتماعي قد يعيد تشكيل العالم بأكمله.

المطلوب اليوم ليس الخوف من التكنولوجيا، بل الاستعداد لها.

فالذكاء الاصطناعي ليس عدواً للإنسان إذا تم توجيهه بشكل سليم، لكنه قد يتحول إلى تهديد حقيقي إذا دخلت المجتمعات المستقبل بعقلية الماضي.

لقد أصبح من الضروري تطوير منظومات التعليم، وتشجيع المهارات المرنة، وتعزيز التفكير النقدي والإبداعي، وربط التكوينات بحاجيات المستقبل لا بحاجيات الأمس.

لأن السؤال الذي سيطرح قريباً لن يكون: “أين سنشتغل؟”

بل ربما: “هل مازال هناك عمل للبشر أصلاً؟”

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى