أزمة نخب…

فاطمة الزهراء ايت ناصر

بعد اطلاعي على تقرير جودة النخب 2026، الذي وضع المغرب في مرتبة متوسطة على مستوى قدرة نخبه السياسية والاقتصادية على خلق القيمة والتنمية، لم أستطع إلا أن أسترجع تلك اللحظات اليومية التي يتحول فيها النقاش العمومي إلى جدل حول الكلمات أكثر مما هو نقاش حول السياسات.

في جلسات البرلمان، وفي التصريحات الرسمية، وفي التفاعل على مواقع التواصل، تتكرر نفس الصورة بين عبارة تقال، ثم تفكك، ثم تتحول إلى مادة للسخرية أو التأويل.

تقرير جودة النخب 2026، الصادر بشراكة مع جامعة سانت غالن السويسرية، وضع المغرب في المرتبة 92 عالميا من أصل 151 دولة في مؤشر جودة النخب، وهو مؤشر يقيس قدرة النخب السياسية والاقتصادية على تحويل النفوذ والقرار إلى قيمة تنموية مستدامة.

ويشير التقرير أيضا إلى وجود فجوة واضحة بين القوة والقيمة، أي بين امتلاك القرار من جهة، والقدرة على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي من جهة أخرى.

في تفاصيل المؤشرات، يظهر المغرب في مراتب متوسطة إلى متأخرة نسبيا في عدد من المجالات الحيوية، مثل التعليم، الصحة، الابتكار، والبيئة، ما يعكس أداء غير متوازن للنخب بين القطاعات.

وفي المقابل، يسجل تقدما نسبيا في مؤشر الجيل القادم لخلق القيمة، ما يعني أن هناك إمكانيات مستقبلية موجودة، لكنها لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة.

لكن حين نغادر لغة الأرقام ونعود إلى الواقع اليومي، تبرز الى الواجهة طريقة اشتغال النخب نفسها، فالإشكال لا يتعلق فقط بالنتائج، بل أيضا بكيفية الوصول إلى مواقع المسؤولية، إذ يبدو في كثير من الحالات أن التموقع داخل الساحة السياسية والاقتصادية يلعب دورا أساسيا في الوصول إلى مراكز القرار، أكثر من معيار الكفاءة.

وفي هذا السياق، لم تعد التصريحات السياسية تمر دون نقاش، فقد أثارت بعض المداخلات داخل البرلمان، خاصة في قطاع التعليم، نقاشا واسعا بسبب طريقة صياغة الخطاب أو غموض بعض العبارات، كما حدث في تصريحات وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، التي تحولت إلى مادة للتعليق والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي.

كما أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش كان بدوره محور نقاش سياسي وإعلامي، سواء من خلال طريقة تواصله داخل البرلمان، أو من خلال بعض التصريحات التي فتحت باب التأويل، مثل حديثه عن علاقته برجال الأعمال، والذي اعتبره البعض تعبيرا عن قوة شبكة اقتصادية، بينما قرأه آخرون بشكل مختلف، مرتبط بنقاش النفوذ وتداخل المصالح.

في كثير من الأحيان، لا يحتاج المواطن إلى تحليل معقد ليكون انطباعه عن أداء المسؤولين، فطريقة الخطاب نفسها أصبحت جزءا من النقاش العام، حين يتابع الناس بعض المداخلات داخل المؤسسة التشريعية أو التصريحات الرسمية، يلاحظون ارتباكا في التعبير، أو صعوبة في صياغة الفكرة، وأحيانا استعمال عبارات فضائية لا يمكن فهمها ولا إستعابها .

هذا المستوى في الخطاب، بصرف النظر عن المضمون، يترك لدى جزء من الرأي العام إحساسا بأن الكفاءة اللغوية والتواصلية ليست دائما معيارا حاضرا في الوصول إلى مواقع المسؤولية.

هذا الانطباع، حتى وإن كان قابلا للنقاش، يزداد تعمقا حين يقارن مع واقع اجتماعي آخر أكثر قسوة، حيث يقضي آلاف الخريجين سنوات طويلة في الدراسة والتكوين، ثم يصطدمون بسوق عمل مغلق أو محدود الفرص.

أثناء بحثي في عدد من التقارير الدولية حول وضع النخب في المغرب، وجدت معطيات لا تبدو مطمئنة بشأن مستوى الأداء وطبيعة الفجوات المسجلة في مجالات التدبير والتنمية، فتقرير BTI – Bertelsmann Transformation Index يشير إلى أن إشكال الحوكمة لا يرتبط فقط بصياغة السياسات العمومية، بل أيضا بمدى قدرتها على التنفيذ الفعلي داخل بنية سياسية معقدة، حيث تتأثر مسارات القرار بتوازنات متعددة قد تبطئ أو تضعف أثر الإصلاحات.

في كل مرة أعود فيها إلى الخطابات الحكومية أو أقرأ حصيلة قطاعية هنا أو هناك، أتسائل حول المسافة التي تقف بين ما يقال وما ينجز، سؤال يتكرر بإلحاح في ذهني كلما اصطدمت بواقع التشغيل، أو التعليم، أو الصحة، أو حتى تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بإرتفاع المعيشة…

الحكومة، منذ بداية ولايتها، رفعت سقف الوعود في عدد من القطاعات الأساسية، في التشغيل، تم الحديث عن خلق مليون منصب شغل، وفي التعليم عن إصلاح جذري للمدرسة العمومية، وفي الصحة عن تعميم التغطية وتحسين العرض الصحي وفي الحماية الاجتماعية عن بناء نموذج جديد للدولة الاجتماعية، عناوين كبرى، تبدو في ظاهرها طموحة.

لكن حين نغادر لغة البرامج إلى لغة الواقع، تبدأ الأسئلة في التضاعف، فالتشغيل، رغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات، ما يزال يواجه معضلة بطالة الشباب وصعوبة إدماج الخريجين في سوق عمل قادر على الاستيعاب، والأرقام الرسمية نفسها تعكس أن الفجوة بين النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل ما تزال قائمة، وأن الإيقاع لا يوازي حجم الانتظارات الاجتماعية.

في التعليم، ورغم إطلاق مشاريع مثل مدارس الريادة وتوسيع التعليم الأولي، ما تزال الإشكالات القديمة حاضرة كتفاوت بين الوسطين الحضري والقروي، جودة التعلمات، والهدر المدرسي.

هي إصلاحات تقدم كخطوات مهمة، لكنها لم تحدث بعد التحول العميق الذي ينتظر من قطاع يفترض أنه أساس أي تنمية.

أما في الصحة، فإطلاق ورش تعميم التغطية الصحية وإعادة هيكلة القطاع العمومي، لم ينه بعد الصورة اليومية للمستشفيات المكتظة، والخصاص في الموارد البشرية، وصعوبة الولوج إلى العلاج في عدد من المناطق، وهنا أيضا، يظهر الفرق بين الإعلان عن الإصلاح وإحساس المواطن بنتائجه.

في هذا السياق، يبدو أن الإشكال لا يرتبط فقط بالبرامج، بل بطريقة تحويل هذه البرامج إلى نتائج قابلة للقياس في حياة الناس، فكل قطاع من هذه القطاعات يحمل اليوم وعودا كبيرة، لكن المواطن غالبا ما لا يلمس أثرها.

وإذا عدنا إلى موضوعنا الأصلي، فإن هذا الوضع يفتح نقاشا أعمق حول طبيعة الأداء العام للنخب المسؤولة عن القرار والتدبير، فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود نوايا إصلاحية أو مشاريع معلنة، بل بمدى القدرة على التنفيذ، والمتابعة، وتحقيق الأثر، وهي عناصر تجعل الفرق كبيرا بين خطاب سياسي طموح، وواقع اجتماعي ينتظر النتائج.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى