بين خطاب المعارضة وموقع المسؤولية.. هل ينسى بركة أنه في الحكومة؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر

أعاد الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، في مهرجانه الخطابي الأخير بسيدي قاسم، التأكيد على انتقاده لما سماه ثقافة الهمزة والتفرقيش والجشع، متحدثا بلسان المدافع عن القدرة الشرائية للمواطنين، ومتوعدا بمواجهة المضاربات وإحداث شركات لتوزيع المواد الأساسية للقضاء على الوسطاء.

غير أن وزير التجهيز والماء نسي أن حزب الاستقلال يشكل جزءا من الأغلبية الحكومية التي تدبر الشأن العام اليوم، وحسب مراقبون إذا كانت المضاربات واحتكار الأسواق واختلالات سلاسل التوزيع قائمة، فمن يتحمل مسؤولية معالجتها إن لم تكن الحكومة التي يشارك فيها الحزب نفسه؟

وحسب متابعين، فالخطاب الذي تبناه بركة في خرجاته الاخيرة خاصة بعد احتجاجات جيل زيد، بدا أقرب إلى خطاب معارض منه إلى خطاب فاعل تنفيذي، يستعمل مفردات نقدية قوية تجاه واقع اقتصادي واجتماعي تتقاسمه مكونات الأغلبية، وكأن الحزب يوجد خارج دوائر القرار لا داخلها.

ويرى متابعون أن هناك تناقض بين منطق التشخيص ومنطق المسؤولية، فالتشخيص حق مشروع، بل مطلوب، لكن حين يصدر عن طرف مشارك في السلطة التنفيذية، يصبح مطالبا أيضا بتقديم حصيلة واضحة حول ما تحقق فعلاً لمواجهة هذه الظواهر.

إعلان الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، الاستعداد لإحداث شركات لتوزيع المواد الأساسية قُدم في صيغة موقف سياسي قوي، غير أن مضمونه يعكس في العمق ارتباكا في تحديد موقع الحزب داخل معادلة القرار.

فالحزب ليس في موقع المراقب أو المقترِح من خارج المؤسسات، بل هو مكون أساسي في الأغلبية الحكومية، ويتحمل تبعات السياسات العمومية المعتمدة في مجال ضبط الأسواق وسلاسل التموين.

الحديث عن تقليص عدد الوسطاء ومحاربة المضاربات ليس طرحا جديدا في النقاش العمومي، بل هو من صميم الاختصاص الحكومي، لذلك فإن تقديم هذه المبادرات في قالب خطابي يوحي وكأنها تصحيح لمسار قائم، يعكس مسافة خطابية يحاول الحزب إقامتها بينه وبين حصيلة جماعية يشترك في صناعتها.

هذا التمايز في النبرة يمنح الانطباع بوجود رغبة في إعادة التموضع أكثر مما يعكس تحولا فعليا في السياسات، كما أن تصعيد اللغة تجاه ما سمي بثقافة الهمزة والتفرقيش يندرج ضمن خطاب تعبوي يستهدف استعادة صورة القرب من الفئات المتضررة من الغلاء.

غير أن المسؤولية الحكومية تفرض الانتقال من توصيف الظواهر إلى تفعيل أدوات الضبط والمراقبة وتقييم أثر الإجراءات المتخذة، وحسب مراقبون، الفاعلية تقاس بالنتائج والمؤشرات، لا بقوة العبارات.

في السياق السياسي الراهن، حيث يزداد منسوب التنافس مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تبدو الحاجة ملحة إلى وضوح أكبر في الخطاب والممارسة، فالفصل بين منطق الحملة ومنطق التدبير يظل شرطا للحفاظ على مصداقية الفعل السياسي، خاصة بالنسبة لأحزاب تشارك في قيادة المرحلة.

ويرى مراقبون أن حزب الاستقلال، باعتباره أحد أعرق التنظيمات السياسية في البلاد، مطالب بتقديم حصيلة دقيقة حول مساهمته داخل الأغلبية في حماية القدرة الشرائية، وتوضيح حدود مسؤوليته في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى