يوسف الحيرش: أخنوش منح “شيكاً على بياض” للوبيات التهمت دعم اللحوم والأعلاف

حسين العياشي

مواكبة_ في خضم الجدل المتصاعد حول الارتفاع المتواصل لأسعار اللحوم والدواجن والأعلاف بالسوق الوطنية، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو طبيعة الدعم العمومي الذي ضخته الحكومة خلال السنوات الأخيرة، وحول ما إذا كانت مليارات الدراهم التي رُصدت لهذا الورش قد نجحت فعلا في حماية القدرة الشرائية للمغاربة، أم أنها انتهت إلى تكريس نفوذ لوبيات تتحكم في مفاصل السوق.

هذا السؤال يضعه تحقيق مجلة “ملفات” الأخير حول “الفراقشية” في صلب النقاش، بعدما حاول تفكيك البنية المعقدة لقطاع اللحوم والأعلاف بالمغرب، كاشفا معطيات مرتبطة بتمركز النفوذ الاقتصادي داخل سلاسل الإنتاج والاستيراد والتوزيع، وهي المعطيات التي توقف عندها المهندس والباحث الاقتصادي يوسف الحيرش في تصريحه لـ“إعلام تيفي”، معتبرا أن ما يقارب 76 مليار درهم من الدعم العمومي ذهبت “في مهب الريح”، دون أن ينعكس أثرها بشكل ملموس على الأسعار داخل السوق الوطنية.

الحيرش رفض بشكل صريح الطرح الذي ظل يربط موجة الغلاء بارتفاع كلفة النقل والشحن الدولي، معتبرا أن هذا التبرير لم يعد يصمد أمام المعطيات الحالية، خاصة وأن النقل، بحسب تعبيره، كان مدعوما أساسا من طرف الدولة، ما يعني أن جزءا مهما من الكلفة كانت تتحمله المالية العمومية، وليس الفاعلون الاقتصاديون.

ويذهب المتحدث أبعد من ذلك حين يصف ملف دعم القمح بـ”القنبلة”، مشيرا إلى أن أول مجلس حكومي ترأسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في أواخر أكتوبر 2021، منح ما يشبه “شيكا على بياض” لشركات ولوبيات الحبوب، بعدما تُركت الأسعار بين أيدي كبار الفاعلين داخل السوق، في غياب آليات صارمة للضبط والمراقبة.

وبحسب المعطيات التي استند إليها التحقيق، فإن أسعار الحبوب في بورصة شيكاغو، التي تشكل مرجعا أساسيا للأسعار العالمية، عادت إلى مستويات قريبة من سقف أثمنة سنة 2019، غير أن هذا التراجع لم ينعكس بالشكل نفسه داخل السوق المغربية، حيث واصلت الأسعار منحاها المرتفع، وهو ما يطرح، وفق الحيرش، تساؤلات حقيقية حول مآل الدعم العمومي، وطريقة تدبيره، والجهات التي استفادت فعليا من هذه التحولات.

ويتوقف التحقيق عند هذه المفارقة، مبرزا أن السوق المغربية لم تتفاعل مع تراجع الأسعار الدولية بالوتيرة نفسها التي تفاعلت بها مع موجة الارتفاعات السابقة، ما يعزز فرضية وجود اختلالات داخل منظومة التسعير والتوزيع، أو على الأقل غياب آليات فعالة تضمن انتقال أثر انخفاض الأسعار العالمية إلى المستهلك المغربي.

وفي السياق ذاته، اعتبر الحيرش أن تضارب الأرقام والمعطيات المرتبطة بالدعم العمومي، سواء فيما يتعلق بالأعلاف أو استيراد المواشي أو الحبوب، يضرب مصداقية التدبير الحكومي لهذا الملف، مشيرا إلى أن هذه الحقيقة أكدها، بشكل غير مباشر، القرار الصادر عن المجلس الوزاري، والقاضي بسحب ملف الدعم من وزارة الفلاحة وإسناده إلى وزارة الداخلية.

ويرى الحيرش أن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء إداري عادي، بل كمؤشر على وجود ارتباك واختلالات في تدبير هذا الورش، خاصة في ظل الجدل الواسع الذي رافق أرقام الدعم والمستفيدين منه، ومدى انعكاسه الفعلي على الأسعار داخل الأسواق الوطنية.

التحقيق، الممتد على عشرات الصفحات، لا يكتفي بتشريح الأرقام والمعطيات، بل يربط بين الدعم العمومي والبنية العميقة للسوق، حيث تظهر شبكات نفوذ اقتصادية تتحكم في الأعلاف والمحاضن والاستيراد والتوزيع، ما يجعل أي دعم تضخه الدولة عرضة لأن يتحول، في غياب الرقابة الصارمة والمنافسة الحقيقية، إلى أداة لتعزيز التركيز الاقتصادي بدل حماية المستهلك.

وفي المحصلة، يعيد هذا الملف طرح سؤال قديم يتجدد مع كل موجة غلاء: هل يصل الدعم فعلا إلى المواطن، أم أنه يتبخر داخل حلقات السوق قبل أن يبلغ موائد المغاربة؟ سؤال يزداد إلحاحا مع استمرار ارتفاع الأسعار، رغم مليارات الدراهم التي ضختها الدولة تحت شعارات “حماية القدرة الشرائية” و”ضمان الأمن الغذائي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى