الفلاحة المغربية تواجه أزمة اليد العاملة..خصاص داخلي واستقطاب إسباني للسواعد المغربية

مديحة المهادنة : صحافية متدربة
خبر_ لم تعد أزمة الفلاحة اليوم تقاس بكمية الأمطار، ولا بمنسوب السدود، ولا بارتفاع أسعار الأعلاف والأسمدة الأزمة الحقيقية للفلاحة الوطنية اليوم تفتقر إلى الجاذبية الإنسانية.
هذا المعطى لم يأت من احتجاج عابر في سوق محلي، ولا من شهادة فلاح غاضب في ضيعة بعيدة، بل طرح على لسان وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم حين أشار إلى إشكال نقص اليد العاملة الفلاحية، خاصة خلال فترات الجني، ومن بينها جني الزيتون.
هذا التصريح فتح جرحا أعمق من مجرد خصاص موسمي في العمال. فحين يجد فلاحون صعوبة في توفير من يجني الزيتون داخل المغرب، بينما تواصل الضيعات الإسبانية استقبال اليد العاملة المغربية والاستفادة منها في مواسمها الفلاحية، فإننا لا نكون أمام صدفة، بل أمام مفارقة كاشفة: العامل المغربي موجود، لكنه لم يجد داخل بلاده ما يجعله يختار الحقل المغربي أولا.
مفارقة موجعة. المغرب يكون اليد العاملة، والقرى المغربية تنجب السواعد، لكن جزءا من هذه الطاقة البشرية يجد طريقه إلى الضفة الأخرى، حيث العمل الموسمي أكثر تنظيما، والعقد أكثر وضوحا، والأجر أكثر جذبا، والمسار الإداري أكثر ضبطا. أما داخل عدد من المناطق الفلاحية المغربية، فما يزال العمل في الحقول محكوما بمنطق الهشاشة واليومية والبحث عن العامل في آخر لحظة، وكأن اليد العاملة مجرد تفصيل يمكن استدعاؤه عند الحاجة.حين يشتكي الفلاح من غياب العمال، فهو في الحقيقة يشتكي من خلل أوسع في تنظيم القطاع، لا من غياب أشخاص فقط.
كشفت أزمة اليد العاملة أن النموذج الفلاحي المغربي ظل يركز كثيرا على الإنتاج، لكنه لم يمنح المكانة الكافية لمن يصنع هذا الإنتاج بيديه. تم الحديث طويلا عن الفلاح، وعن المستثمر، وعن التصدير، وعن السلاسل، لكن في المقابل العامل الفلاحي بقي في الهامش: يظهر في موسم الجني، ثم يختفي من النقاش العمومي بمجرد انتهاء الموسم.عندما يعجز القطاع عن إيجاد عمال لجني محصول الزيتون،هنا يصطدم خطاب المخططات الاستراتيجية والأمن الغذائي بجدار الواقع .
فلاحة بلا ماء أزمة معروفة، وفلاحة بكلفة مرتفعة معضلة قائمة، لكن فلاحة بلا عمال إنذار لا يجوز تجاهله. وبين حقول مغربية تبحث عمن يجني ثمارها، وحقول إسبانية تستفيد من السواعد نفسها، يطرح السؤال حول ندرة اليد العاملة في بلد لم ينجح في جعل العمل الفلاحي اختيارا كريما يضمن كرامة العمال مقابل جهدهم البدني الشاق .





