بعد تزايد الحوادث.. مطالب عاجلة بتنظيم “التروتينيت” في المغرب

حسين العياشي

خبر_لم تعد الدراجات الكهربائية الصغيرة، المعروفة بـ”التروتينيت”، مجرد وسيلة تنقل خفيفة مرتبطة بالسرعة والمرونة داخل المدن، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى مصدر قلق متزايد، بعدما ارتبط استعمالها خلال الأشهر الأخيرة بسلسلة من حوادث السير التي أعادت النقاش حول غياب إطار قانوني واضح ينظم استخدامها بالمغرب.

ففي شوارع عدد من المدن، أصبحت “التروتينيت” جزءاً من المشهد اليومي، يقودها مراهقون وأطفال أحياناً بسرعة كبيرة، وسط حركة مرور معقدة، وفي كثير من الحالات دون خوذات واقية أو احترام لقواعد السير والجولان. ومع تزايد الحوادث المرتبطة بها، انتقل الجدل من الشارع إلى قبة البرلمان.

حادثة بني ملال تعيد الملف إلى الواجهة

النقاش عاد بقوة بعد حادثة سير شهدتها مدينة بني ملال، حيث اصطدمت دراجة كهربائية كان على متنها طفلان بسيارة، ما تسبب في إصابتهما بجروح وُصفت بالخطيرة. الحادثة لم تُعتبر مجرد واقعة معزولة، بل تحولت إلى مؤشر جديد على تنامي استعمال هذا النوع من وسائل النقل في ظروف تفتقد، بحسب متابعين، لأبسط شروط السلامة.

البرلمان يدق ناقوس الخطر

وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية ثورية عفيف سؤالاً كتابياً إلى وزير النقل واللوجيستيك، طالبت فيه بالكشف عن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها للحد من المخاطر المرتبطة باستعمال “التروتينيت”؛ معتبرة أن تكرار الحوادث المرتبطة بالدراجات الكهربائية يعكس تنامياً مقلقاً في استعمالها، خاصة من طرف الأطفال والقاصرين، في ظل غياب رقابة واضحة وعدم احترام قواعد السير.

وبحسب مضمون السؤال البرلماني، فإن هذه الوسائل، التي انتشرت بسرعة داخل الفضاءات الحضرية، بدأت تتحول إلى خطر حقيقي يهدد مستعملي الطريق، سواء بالنسبة لراكبيها أو للسائقين والراجلين. كما تساءلت البرلمانية عن التدابير التي ستعتمدها الوزارة لتأطير استعمال “التروتينيت”، ومنع استخدامها من طرف القاصرين دون مراقبة، إضافة إلى وضع شروط تضمن الحد الأدنى من السلامة الطرقية.

فراغ قانوني يواكب الانتشار السريع

الجدل الدائر اليوم يكشف مفارقة واضحة: “التروتينيت” انتشرت بسرعة داخل المدن المغربية، لكن القوانين المنظمة لها لم تواكب هذا التحول بالوتيرة نفسها. فإلى حدود الآن، ما يزال الغموض يحيط بعدد من الأسئلة الأساسية: هل تُعتبر “التروتينيت” مركبة خاضعة لقانون السير؟ هل تحتاج إلى تأمين أو تسجيل؟ ما هو السن القانوني لاستعمالها؟ وهل يُسمح لها بالسير وسط السيارات أم فوق الأرصفة؟

هذا الفراغ التنظيمي جعل استعمالها يتم بشكل عشوائي في كثير من الحالات، حيث باتت تظهر في الشوارع الرئيسية والأزقة الضيقة وحتى فوق الأرصفة المخصصة للراجلين، أحياناً بسرعات مرتفعة تثير مخاوف السكان.

الأطفال في الواجهة.. والسرعة أخطر ما في الأمر

أكثر ما يثير القلق، وفق متابعين، هو الإقبال المتزايد للقاصرين على استعمال هذه الوسيلة، غالباً دون تكوين أو وعي حقيقي بمخاطر الطريق. وفي غياب خوذات الحماية واحترام قواعد السير، تصبح أي لحظة تهور أو فقدان للتوازن كافية لتحويل رحلة قصيرة إلى حادث خطير، خاصة أن بعض أنواع “التروتينيت” قادرة على بلوغ سرعات مرتفعة داخل المجال الحضري.

ويرى مختصون أن المشكلة لا ترتبط بوسيلة النقل في حد ذاتها، بل بطريقة استعمالها وغياب التأطير والمراقبة، مؤكدين أن عدداً من الدول التي اعتمدت هذه الوسائل فرضت شروطاً صارمة تتعلق بالسرعة، والسن القانوني، وأماكن السير، والتجهيزات الوقائية.

بين تشجيع التنقل الحديث وحماية السلامة الطرقية

ورغم الجدل، لا ينكر كثيرون أن “التروتينيت” تمثل بديلاً عملياً واقتصادياً للتنقل داخل المدن، خاصة في ظل الاكتظاظ المروري وارتفاع تكاليف النقل. لكن التحدي المطروح اليوم يتمثل في كيفية التوفيق بين تشجيع وسائل التنقل الحديثة والصديقة للبيئة، وبين ضمان سلامة مستعملي الطريق وتفادي الفوضى داخل الفضاء الحضري.

ومع تصاعد الأصوات البرلمانية والمدنية المطالبة بإطار قانوني واضح، يبدو أن ملف “التروتينيت” مرشح ليصبح واحداً من أبرز النقاشات المرتبطة بالسلامة الطرقية والتنقل الحضري خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى