آباء على حافة العيد..حين تتحول الاضحية من فرحة عائلية الى امتحان للكرامة

مديحة المهادنة: صحافية متدربة
رأي_في كل عيد أضحى، لا تبدأ الحكاية من السوق، ولا من ثمن الأضحية، ولا من حركة البيع والشراء التي تملأ الشوارع. تبدأ الحكاية قبل ذلك بكثير، داخل بيوت مغربية بسيطة، حيث يجلس الأب أو الأم أمام حسابات صغيرة بأرقام موجعة: راتب محدود، كراء مؤجل، فواتير تنتظر، أطفال يسألون ببراءة، وعيد يقترب بثقل اجتماعي لا يرحم.هناك، في صمت البيوت، يولد السؤال الأصعب: كيف يمكن إدخال فرحة العيد إلى قلوب الأطفال دون أن تنكسر كرامة الآباء؟
لم تعد الأضحية، بالنسبة إلى كثير من الأسر، مجرد شعيرة دينية أو طقس اجتماعي عابر. صارت اختبارا نفسيا واجتماعيا قاسيا، يكشف هشاشة القدرة الشرائية، ويضع الآباء أمام ضغط مضاعف: ضغط السوق من جهة، وضغط نظرات الأطفال من جهة أخرى. فالطفل لا يعرف تفاصيل القروض، ولا معنى ارتفاع الأسعار، ولا تعقيدات الراتب الذي يتبخر قبل منتصف الشهر. هو فقط ينتظر العيد كما يتخيله: فرحا، لباسا جديدا، لمة عائلية، وأضحية تملأ البيت إحساسا بالاكتمال.
لكن خلف هذا المشهد البسيط، يوجد آباء يفاوضون الباعة لساعات، لا بحثا عن الأفضل، بل عن الممكن. وآخرون يعانون في صمت، يؤجلون مصاريف ضرورية، أو يضحون براحتهم، وربما بكرامتهم، فقط حتى لا يشعر أبناؤهم بالنقص وسط أقرانهم. كثيرون لا يشترون الأضحية لأنهم قادرون، بل لأنهم لا يريدون أن ينهزموا أمام سؤال طفل: “علاش حنا ما عندناش؟”.
هنا تتحول المناسبة من عيد إلى مرآة اجتماعية حادة. مرآة تكشف أن الفقر لا يجرح الجيب وحده، بل يلامس الإحساس بالمكانة داخل الأسرة والمجتمع. فالأب الذي يعود إلى البيت بلا أضحية لا يخاف من غياب اللحم، بقدر ما يخاف من خيبة صغيرة في عيون أبنائه. والأم التي تحاول تهدئة البيت بكلمات مطمئنة، تعرف أن الأزمة ليست في العيد نفسه، بل في ثقل المقارنة، وفي مجتمع لا يزال يربط فرحة العيد بقدرة الأسرة على مجاراة الآخرين.
الأخطر أن بعض الآباء يجدون أنفسهم مدفوعين إلى حلول مرهقة: سلف صغير يتحول إلى عبء طويل، بيع شيء من أثاث البيت، الاقتراض من قريب أو جار، أو انتظار مساعدة تأتي في آخر لحظة. كل ذلك يحدث أحيانا بصمت كامل، لأن الاعتراف بالعجز ليس سهلا. فالكرامة، عند كثير من الأسر، لا تقاس بما تملك، بل بما تستطيع إخفاءه من وجع.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه التضحيات في مجرد رغبة في المظاهر. فخلف الإصرار على توفير الأضحية يوجد حب عائلي عميق، ورغبة في حماية الأطفال من قسوة الفوارق. الآباء لا يطاردون صورة اجتماعية فقط، بل يحاولون الحفاظ على ذاكرة العيد داخل وجدان أبنائهم. يريدون أن يكبر الأطفال وهم يتذكرون الفرح، لا العجز. أن يتذكروا دفء البيت، لا ارتباك الحسابات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أي حد يمكن تحميل الأسر وحدها كلفة الفرح؟ وهل من الطبيعي أن يصبح العيد، في بلد يعرف ضغوطا معيشية متزايدة، مناسبة تكشف اتساع الفجوة بين الشعيرة والقدرة، وبين الرغبة والإمكان؟
إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يهاجم الأسر التي تجتهد لتوفير الأضحية، ولا أن يحاكم من عجز عنها. فالمسألة أعمق من قرار فردي. إنها مرتبطة بالقدرة الشرائية، وبثقافة اجتماعية تضغط على الضعفاء، وبحاجة ملحة إلى خطاب يعيد للعيد معناه الإنساني، بعيدا عن السباق والمقارنات والإحراج.
عيد الأضحى، في جوهره، ليس امتحانا للجيب، ولا مسابقة في الأسواق، ولا مناسبة لقياس قيمة الأب بما يستطيع شراءه. هو لحظة تضامن ورحمة وصلة، لكن الواقع يحوله أحيانا إلى عبء ثقيل على الذين لا يريدون سوى رؤية أطفالهم سعداء.
تبقى أقسى تضحيات العيد تلك التي لا ترى: أب يخفي قلقه بابتسامة، أم تؤجل حاجتها حتى لا ينقص شيء في البيت، وأسرة كاملة تحاول أن تصنع الفرح من قلب الضيق. بين ارتفاع الأسعار ونظرات الأطفال، يقف الآباء في منطقة صعبة، يحرسون ما تبقى من كرامتهم، ويحاولون أن يمنحوا أبناءهم عيدا لا يشبه تعبهم .





