الصليب الذي هز الفيسبوك

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في كل أحد، أفتح فيسبوك كما يفتح أي مواطن ثلاجته آخر الشهر.. بلا أمل كبير، لكن بدافع الفضول… أتنقل بين صور الماشية، وصفات الطبخ، وشجارات المحللين السياسيين الذين يتحولون ليلا إلى خبراء جيواستراتيجيين، قبل أن أتوقف فجأة عند صورة وزيرنا المعروف ب”مهبول أنا” يحمل صليبا ضخما بجانب راهب يوناني، بابتسامة عريضة..
في البداية ظننت أن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، اعتقدت أن أحدهم عبث بالفوتوشوب كالعادة… لكن بعد دقائق اكتشفت أن الأمر حقيقي، وأن مواقع الأخبار دخلت في سباق من نوع خاص.. من سيكتب العنوان الأكثر اشتعالا.. “السعدي يهدي الصليب”، “غضب واسع”، “صدمة المغاربة”، “سابقة خطيرة”… حتى خيل إلي أن الوزير لم يقم بزيارة رسمية لليونان، بل افتتح فرعا جديدا للفاتيكان في الرباط…
المثير في القصة ليس الصليب نفسه، فالمغاربة عاشوا دائما مع اليهود والمسيحيين ولم تكن لديهم عقدة من رموز الآخرين، بل المثير هو هذا الأداء السياسي الغريب الذي يجعل بعض المسؤولين يتصرفون وكأنهم في رحلة مدرسية إلى أوروبا..
يخرج الوزير من الطائرة، ينبهر بالأجواء، يلتقط الصور، ثم يبدأ توزيع الرموز والهدايا بعفوية سائح ..كان بإمكان الرجل أن يهدي الراهب زربية فاسية، بلغة، طاجينا صغيرا، أو حتى مجسما لصومعة الكتبية… أشياء تعبر عن المغرب فعلا.. لكن يبدو أن بعض السياسيين عندنا يعتقدون أن التسامح يعني أن تفرط في رموزك حتى تبدو متحضرا أمام الأوروبيين..
الطريف أن نصف السياسيين الذين يرفعون شعار التعايش لا يستطيعون التعايش حتى داخل أحزابهم.. يتشاجرون على الميكروفون، يتبادلون الاتهامات، ويقاطع بعضهم بعضا في الاجتماعات، لكن ما إن يسافر أحدهم إلى الخارج حتى يتحول فجأة إلى حمامة سلام عالمية، مستعدة لاحتضان الحضارات من أثينا إلى آخر جزيرة في بحر إيجة.
ثم جاء الفيسبوك، المحكمة العليا غير الدستورية للمغاربة… هناك لا وجود لمحكمة النقض ولا المجلس الدستوري، فقط آلاف القضاة يحملون هواتفهم ويصدرون الأحكام خلال دقائق، بعضهم رأى في الصورة نهاية الهوية الإسلامية للمغرب، وآخرون اعتبروها مجرد هدية بروتوكولية..
بينما كان الوزير يهدي راهبا صليبا من العرعار المغربي صنع بأيادي خشنة مغربية، وسط عدسات الكاميرات وابتسامات البروتوكول، كان عمي الهلاوي في السويقة منهمكا في معركته اليومية مع الكراء، وفاتورة الكهرباء، وألم الظهر الذي خلفته سنوات الجلوس أمام أدوات صناعة الجلد.
قبل شهرين زرته في محله الصغير، المكان يشبه متحفا منسيا؛ رائحة الجلد، الغبار، ووجوه فقدوا القدرة حتى على الشكوى… تحدث الرجل بحرقة عن الوعود التي سمعها لسنوات.. تغطية صحية، دعم اجتماعي، حماية للصانع التقليدي، تسويق المنتوج المغربي… كلام كثير يصلح للخطب الرسمية أكثر مما يصلح للحياة…
ضحكنا يومها حين قال لي “حنا غير كنصاوبو التراث… أما مواليها دارو بها لباس”…جملة تختصر مأساة قطاع كامل يعيش على الهامش بينما يستعمل فقط في المناسبات الرسمية والزيارات الدبلوماسية، صحيح ان الأمر لا يستدعي الضحك لكن عمو الهلاوي معروف بحبه للحياة يترجم معاناته دائما إلى نكت مرحة..
عندما يحتاج المسؤول هدية تعكس أصالة المغرب، يتذكر الصانع التقليدي، لكن عندما يمرض هذا الصانع أو يعجز عن أداء واجب الكراء، يتحول إلى مجرد رقم منسي في تقرير إداري
السياسي عندنا يحب الصناعة التقليدية كثيرا… بشرط أن تبقى داخل الصور التذكارية، يحب أن يرى الزربية في المعارض، والخنجر في الاستقبالات، والبلغة في المهرجانات، لكنه ينسى الرجل الذي سهر الليالي ليصنع كل ذلك بيدين متشققتين وحياة أقسى من الخشب الذي ينحته.
ربما المشكلة ليست في الصليب ولا في الراهب اليوناني، بل في هذا الفراغ السياسي الذي جعل المغاربة يناقشون هدية أكثر مما يناقشون الأسعار، البطالة، والتعليم والصحة… نحن شعب يستطيع تحويل صورة بروتوكولية إلى معركة حضارية في أقل من ساعة، ثم ينسى كل شيء عند أول مباراة لكرة القدم …
أما الوزير، فلعله اليوم يتمنى لو أنه اكتفى بإهداء الراهب علبة زيت أركان، لأن الصليب الذي حمله في اليونان، حمله المغاربة فوق كتفيه على الفيسبوك لأيام…





