
حسين العياشي
خبر_ تجاوز رضوان بوكطاية لجنة التزكيات قبل أن تتجاوزه هي، وخرج إلى الرأي العام معلنا نفسه مرشحا لولاية برلمانية جديدة، في خطوة بدت لكثيرين وكأنها تزكية ذاتية تسبق قرار الهيئات الحزبية المكلفة أصلا بالحسم في أسماء المرشحين للاستحقاقات المقبلة.
ففي الوقت الذي اختار فيه حزب الأصالة والمعاصرة إسناد ملف التزكيات إلى لجنة مختصة يفترض أن تدرس الملفات وتقيم حصيلة كل برلماني وتفاضل بين الأسماء وفق معايير الاستحقاق والجدارة، بدا البرلماني عن دائرة جرادة وكأنه حسم الأمر مسبقا، واضعا حزب “البام” أمام واقع جاهز أكثر منه أمام مرشح ينتظر قرار المؤسسات التنظيمية.
ولا تكمن غرابة الخطوة في إعلان الرغبة في الترشح، فذلك حق سياسي مشروع، وإنما في توقيتها ورسائلها السياسية؛ إذ يصعب فصل هذا الاستباق عن نقاش متنام داخل الأوساط الحزبية والسياسية حول ضرورة تجديد النخب البرلمانية وإعادة النظر في عدد من الأسماء التي لم تستطع خلال الولاية الحالية أن تترك أثرا يبرر تجديد الثقة فيها.
وهنا تحديدا يبرز السؤال الذي يصعب القفز فوقه: لماذا يستعجل نائب برلماني إعلان نفسه مرشحا قبل انتهاء مسطرة التقييم الحزبي؟ ولماذا يبدو حريصا على تثبيت صورة المرشح المفروض سلفا، بدل انتظار حكم المؤسسات التي يفترض أنها صاحبة الاختصاص؟
قد يجد البعض الجواب في الحصيلة نفسها.
فرضوان بوكطاية لا يدخل هذا النقاش مدعوما بمنجز برلماني وازن أو بحضور رقابي وتشريعي يجعل إعادة ترشيحه أمرا بديهيا. بل إن معطيات الولاية التشريعية الحالية تكشف أن الرجل لم يتقدم سوى بسؤالين شفويين فقط طيلة خمس سنوات كاملة من العمل البرلماني.

“سؤالان فقط في خمس سنوات، مقابل ما يقارب 240 مليون سنتيم من أموال دافعي الضرائب، بمعدل 120 مليون لكل سؤال..”
وهو رقم لا يطرح علامات استفهام حول الأداء فحسب، بل يطرح أسئلة أعمق حول جدوى التمثيل نفسه. فساكنة جرادة التي منحت ثقتها لنائبها لم تفعل ذلك ليشغل مقعدا تحت قبة البرلمان، بل ليكون صوتها داخل مؤسسة يفترض أنها فضاء للترافع عن قضايا المواطنين ومراقبة عمل الحكومة والدفاع عن المصالح المحلية.
وحين يتعلق الأمر بإقليم ما تزال البطالة والتهميش والهشاشة والتفاوتات المجالية من أبرز عناوينه، فإن سؤالين شفويين خلال نصف عقد من الزمن لا يبدوان مجرد حصيلة متواضعة، بل أقرب إلى شهادة موثقة على غياب سياسي طويل.
ومن هنا تحديدا يمكن فهم دلالة السباق نحو التزكية.
ففي العادة يلجأ السياسي إلى حصيلته لإقناع حزبه، أما حين تكون الحصيلة عاجزة عن القيام بهذا الدور، يصبح السعي إلى فرض الأمر الواقع أكثر إغراء من ترك الأرقام تتحدث نيابة عنه.
لكن الأرقام تبقى أكثر عنادا من الخطابات.
لذلك لا يبدو النقاش الحقيقي اليوم متعلقا بمن سيحصل على التزكية داخل الحزب، بقدر ما يتعلق بالسؤال الذي ينتظر سكان جرادة جوابا عنه: ماذا فعل ممثلهم خلال خمس سنوات حتى يستحق ولاية جديدة؟
إن التزكية ليست مكافأة على البقاء، ولا امتيازا تنظيميا يمنحه الموقع الحزبي، بل شهادة سياسية تفيد بأن صاحبها أدى المهمة التي انتدب من أجلها. أما حين تسبق التزكية التقييم، ويصبح الحديث عن ضمان الترشيح أعلى صوتا من الحديث عن الحصيلة، فإن المشكلة لا تعود في المنافسين أو في لجنة التزكيات، بل في فهم معنى التمثيل السياسي نفسه.





