بعد إقبار لجنة تقصي الحقائق سياسيا.. حموني يكشف كواليس السقوط

حسين العياشي

خبر_ تعثّر المسار الذي كان يُعوَّل عليه لإخراج لجنة تقصي الحقائق بشأن دعم “فراقشية الأغنام” إلى حيز الوجود، بعدما انهار الاجتماع التنسيقي الذي كان مقررا عقده بمقر مجلس النواب، قبل أن يرى النور، إثر مقاطعة أغلب رؤساء الفرق البرلمانية، في تطور أعاد إلى الواجهة الشكوك بشأن مدى توافر إرادة سياسية حقيقية لفتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الولاية التشريعية الحالية.

وكان الاجتماع يهدف إلى استكمال المشاورات بين الفرق البرلمانية وحسم الترتيبات الإجرائية الكفيلة بإطلاق مسطرة إحداث لجنة لتقصي الحقائق حول تدبير الدعم المالي المخصص لقطاع الماشية وملف “أضاحي العيد”، غير أن الغياب الجماعي لمعظم رؤساء الفرق أفرغ اللقاء من مضمونه، وأجهضه قبل أن يفضي إلى أي مخرج عملي، في مشهد عكس عمق التباينات التي ما تزال تطوق الدور الرقابي للبرلمان.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها “إعلام تيفي”، لم يحضر الاجتماع سوى رئيس فريق التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، الذي انتظر التحاق نظرائه قبل أن يتأكد تعذر انعقاد اللقاء، فيما اختارت باقي المكونات البرلمانية الغياب، لتسقط المبادرة، مرة أخرى، في قبضة “الكرسي الفارغ”.

وفي تعليقه على ما آلت إليه الأمور، أكد حموني أن “الوضع ما يزال على حاله، ولا توجد أي مبادرة جديدة”، معتبرا أن هذا الملف ظل، منذ اللحظة الأولى، أسير حسابات سياسية أكثر منه تعبيرا عن إرادة رقابية جادة. وأوضح أن المعارضة بادرت إلى طرح فكرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق قبل أشهر، عندما كانت الاتهامات المرتبطة بالدعم العمومي لقطاع الماشية تتصدر واجهة النقاش العمومي، غير أن مكونات من الأغلبية سارعت آنذاك إلى رفض المبادرة، ووصفتها بأنها لا تعدو أن تكون “مزايدات سياسية”.

وسجل حموني ما اعتبره تحولا لافتا في مواقف هذه الفرق، بعدما أصبحت، قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع فقط من إسدال الستار على الولاية التشريعية، تعلن أنها “لا ترى مانعا” من إحداث اللجنة، رغم إدراكها أن ما تبقى من الزمن التشريعي لم يعد يسمح، عمليا، باستكمال المسطرة وإنجاز المهمة الرقابية المنوطة بها.

وتساءل، في هذا السياق، عن الدافع وراء هذا التحول، قائلا: “ما الذي تغير اليوم حتى أصبحتم مستعدين للانخراط في المبادرة، بعدما كنتم ترفضونها عندما كان الوقت لا يزال يسمح بإحداث اللجنة والقيام بعملها؟”

واعتبر أن ما يجري لا يعدو أن يكون محاولة لتسويق موقف إعلامي يوحي بالانخراط في المبادرة، بينما الواقع، بحسب تعبيره، يكشف غياب أي إرادة فعلية لترجمتها إلى خطوات عملية، مضيفا أن هناك من يريد إقناع الرأي العام بأنه لا يعارض تشكيل اللجنة، في وقت يعلم فيه أن عامل الزمن بات كفيلا بإفشالها.

وأوضح أن أكبر دليل على ذلك يتمثل في أن أبسط إجراء مسطري لم يُنجز إلى حدود الساعة، والمتمثل في إيداع التوقيعات لدى رئاسة مجلس النواب، مشيرا إلى أن الاجتماع الذي كان مقررا لم يكن يحتاج إلى جولة جديدة من النقاشات السياسية، بقدر ما كان يفترض أن يشكل محطة لتسليم التوقيعات والانطلاق الفعلي في المسطرة القانونية.

وأضاف أن المسطرة، بمجرد إيداع الطلب، تفتح آجالا قانونية محددة، تبدأ بإحالته على رئيس مجلس النواب، ثم إحالته على رئيس الحكومة، قبل المرور إلى باقي الإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي، معتبرا أن استمرار التأخير لا يؤدي سوى إلى استنزاف ما تبقى من الزمن التشريعي، وتقليص فرص إخراج اللجنة إلى الوجود.

وأكد حموني أن فرق المعارضة حسمت موقفها ووقعت على المبادرة، موضحا أن النصاب القانوني المطلوب لإيداع الطلب محدد في 32 توقيعا، وأن استكماله لم يعد يتطلب سوى انضمام فريق برلماني واحد.

وكشف، في السياق ذاته، أن فريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أبلغهم بحسم موقفه واستعداده للانضمام إلى المبادرة، ما يعني، بحسب قوله، أن النصاب المطلوب أصبح متوفرا عمليا، ولم يعد ينقص سوى استكمال الإجراءات الشكلية وإيداع الطلب لدى رئاسة مجلس النواب.

وختم حموني بالتأكيد على أن ما يعطل المسطرة ليس نقص التوقيعات ولا تعقيد الإجراءات القانونية، وإنما غياب “إرادة سياسية حقيقية”، معتبرا أن ما يجري لا يعدو أن يكون “محاولة للضحك على الرأي العام”، عبر الإيحاء بوجود دعم للمبادرة، في الوقت الذي تظل فيه الإجراءات العملية تراوح مكانها.

وبين اجتماعات تُجهض قبل انعقادها، وتوقيعات ما تزال حبيسة المكاتب، ومواقف تبدلت مع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية التشريعية، تقترب لجنة تقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الموجه إلى قطاع الماشية من أن تتحول إلى عنوان جديد لرقابة برلمانية أجهضتها الحسابات السياسية. فكل يوم يمضي من دون إيداع الطلب رسمياً يبدد ما تبقى من هامش زمني، ويجعل إحداث اللجنة أقرب إلى الاحتمال المستبعد، فيما يظل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في هذه الولاية معلقاً بين مطالب بكشف الحقيقة، وحسابات سياسية يبدو أنها آثرت تركه معلقاً إلى حين، وربما إلى برلمان آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى