
أميمة حدري
تعيش جهة درعة تافيلالت على صفيح ساخن، خاصة بأقاليم ورزازات وزاكورة وتنغير وميدلت، وسط حالة من الاستياء بين المواطنين والفعاليات المدنية والسياسية، بسبب ما يعتبرونه تركيزا للمشاريع والاتفاقيات التنموية بإقليم الرشيدية، مقابل حضور محتشم لباقي أقاليم الجهة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن معايير توزيع المشاريع والاستثمارات داخل الجهة.
التأثير في توجيه المشاريع وفق اعتبارات انتخابية وسياسية
أكد بناصر إسماعيلي، الفاعل الحقوقي بإقليم ورزازات، أن الجدل المثار حول ما يوصف بـ”تزكية” المشاريع التنموية بإقليم الرشيدية مقابل تهميش أقاليم أخرى بجهة درعة تافيلالت، لا يرتبط في نظره بأشخاص أو برئيس الجهة بشكل مباشر، بقدر ما يعكس اختلالات أعمق في تدبير الشأن الجهوي وآليات توزيع المشاريع والاعتمادات المالية.
وأوضح إسماعيلي، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن الجهة تعيش، منذ سنوات، على وقع تفاوتات مجالية واضحة، مشيرا إلى أن عددا من المشاريع التي كانت مبرمجة خلال الولاية السابقة لمجالس الجهة لم تر النور أو تم تحويلها إلى مناطق أخرى، معتبرا أن الأمر تحكمه “لوبيات ضغط” تؤثر في توجيه المشاريع وفق اعتبارات انتخابية وسياسية أكثر من ارتباطها بالحاجيات التنموية الحقيقية للساكنة.
وسجل المتحدث أن المقارنة بين المجالس السابقة والحالية تكشف تراجعا في مستوى التعبئة المالية وبرمجة المشاريع، مبرزا أن مرحلة تدبير الجهة في عهد المجلس السابق عرفت برمجة اعتمادات ومشاريع بمختلف الأقاليم، في حين أن المرحلة الحالية، بحسب تعبيره، لم تنجح في الحفاظ على نفس الدينامية التنموية.
وفي حديثه عن وضعية إقليم ورزازات، شدد إسماعيلي على أن الإقليم يظل من بين الأقاليم الرائدة داخل الجهة بالنظر إلى ما يتوفر عليه من مؤهلات اقتصادية وبنيات تحتية، خاصة في قطاعي السياحة والسينما، إلى جانب الإمكانات المعدنية التي تزخر بها المناطق المجاورة، غير أن ذلك، حسب قوله، “لا ينفي وجود اختلالات بنيوية تعاني منها الجهة ككل”.
واعتبر الفاعل الحقوقي أن النقاش المرتبط بالعدالة المجالية ينبغي ألا يظل محصورا في الخطابات السياسية أو الإعلامية العامة، بل يجب أن ينطلق من مقاربة قائمة على الحكامة الرشيدة وربط المشاريع بمعايير واضحة للتنمية، مع اعتماد تدبير عقلاني للاعتمادات المالية وتحديد أولويات حقيقية تستجيب لانتظارات الساكنة.
وانتقد إسماعيلي ما وصفه بـ “غياب رؤية استراتيجية واضحة لتدبير الجهة”، مبرزا أن عددا من الوثائق المرتبطة ببرامج التنمية الجهوية تفتقر، وفق تعبيره، إلى “المؤشرات العلمية الدقيقة وآليات التتبع والتقييم، رغم أن هذه المعايير أصبحت معتمدة حتى لدى الجمعيات المدنية المستفيدة من التمويلات الدولية”.
وأضاف أن واقع التسيير الحالي لا يعكس وجود حكامة ترابية فعالة، مبرزا أن برامج التنمية الجهوية لا يتم إعدادها وفق إطار منطقي واضح يحدد الأهداف والمؤشرات وآليات التقييم، ما يجعل عددا من المشاريع عرضة للتعثر أو إعادة التوجيه وفق توازنات سياسية وانتخابية.
غياب الكفاءات ساهم في تكريس الأعطاب الحالية
وفي تشخيصه للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالجنوب الشرقي، وصف إسماعيلي المنطقة بأنها تنتمي إلى ما سماه “أحزمة البؤس”، بالنظر إلى ارتفاع مؤشرات الهشاشة والفقر وضعف البنيات الاجتماعية الأساسية، من مستشفيات ومؤسسات جامعية وتجهيزات عمومية، معتبرا أن الجهة بأكملها تعاني نوعا من التهميش التنموي المزمن.
وأشار إلى أن تصنيف المنطقة ضمن المجالات الهشة يستند، بحسب قوله، إلى تقارير ومعايير دولية، دفعت مؤسسات دولية إلى التدخل عبر برامج دعم وتمويل، خاصة في ما يتعلق بمشاريع التزود بالماء ومواجهة آثار الجفاف والهشاشة الاجتماعية.
كما حمل المتحدث جزءا من المسؤولية للنخب السياسية والمنتخبة، معتبرا أن غياب الكفاءات القادرة على تدبير الشأن الترابي بمنطق تنموي ومواطني ساهم في تكريس الأعطاب الحالية، مضيفا أن الحصيلة التي راكمتها المجالس المتعاقبة منذ سنوات تعكس، في نظره، فشلا في إحداث تحول تنموي حقيقي بالجهة.
وختم إسماعيلي حديثه بالتأكيد على أن تجاوز الوضع الحالي يقتضي اعتماد سياسة تنموية منصفة تقوم على العدالة في توزيع الاعتمادات المالية، وتقوية الحكامة الترابية، ووضع استراتيجيات واضحة تستجيب لخصوصيات أقاليم الجهة بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.





