بعد أشهر من الاحتجاجات.. أزمة مدارس البعثة الفرنسية تدخل منعطفا جديدا

حسين العياشي

خبر_ تبقي أزمة الرسوم الدراسية في مؤسسات البعثة التعليمية الفرنسية بالمغرب آلاف الأسر في دائرة القلق، رغم ما أظهرته الوكالة الفرنسية للتعليم في الخارج (AEFE) من تراجع جزئي عن بعض قراراتها المثيرة للجدل. فبعد أشهر من الاحتجاجات والشد والجذب، لا تزال العائلات ترى أن أصل الأزمة لم يُعالج بعد، وأن الضمانات المطلوبة بشأن مستقبل الرسوم ومصير مشروع ثانوية “سانت إكزوبيري” لا تزال غائبة.

ومنذ مطلع السنة، دخل أولياء التلاميذ في مواجهة مفتوحة مع إدارة الوكالة، عقب إعلانها إجراءات مالية جديدة اعتبرتها الأسر أحادية الجانب، اتُّخذت دون تشاور مسبق، وأثارت مخاوف واسعة بشأن الكلفة المتزايدة لمتابعة الدراسة داخل مؤسسات التعليم الفرنسي بالمغرب.

وكانت الوكالة قد اقترحت فرض رسوم تسجيل سنوية بقيمة عشرة آلاف درهم، إلى جانب زيادات دورية في مصاريف التمدرس، وهو ما كان سيؤدي، وفق تقديرات ممثلي أولياء الأمور، إلى رفع الكلفة الإجمالية للدراسة بنحو 18 في المائة، في وقت تؤكد فيه الأسر أن هذه الزيادات لن تنعكس على تحسين جودة الخدمات التربوية أو تعزيز الإمكانات التعليمية.

هذا القرار فجّر موجة احتجاجات متواصلة، تُرجمت إلى وقفات أمام المؤسسات التابعة للقطب التربوي الرباط-القنيطرة، حيث طالبت الأسر بالتراجع عن ما وصفته بـ”الزيادة غير المبررة”، وفتح حوار حقيقي حول مستقبل التمويل والتدبير المالي للشبكة التعليمية الفرنسية بالمغرب.

وأمام تصاعد الغضب، اضطرت الوكالة إلى التراجع عن فرض رسوم التسجيل السنوية، مكتفية بالإبقاء على زيادة بنسبة 6 في المائة في الرسوم الدراسية. غير أن هذا التراجع لم يكن كافيًا لاحتواء الأزمة.

ويؤكد عثمان وعنان، عضو تنسيقية جمعيات آباء وأولياء التلاميذ (CAPE)، أن الإشكال لم يعد مرتبطًا فقط بنسبة الزيادة، بل بانعدام الرؤية المستقبلية. فالأسر، بحسب تعبيره، لا تستطيع التخطيط لمسار أبنائها الدراسي في ظل غياب تصور واضح لمسار الرسوم خلال السنوات المقبلة.

ويضيف أن ما حدث هذا العام عزز مخاوف الآباء من إمكانية اتخاذ قرارات مماثلة في أي لحظة من المسار الدراسي، لذلك تطالب الجمعيات بإقرار مخطط مالي متعدد السنوات، يحدد بشكل واضح تطور الرسوم إلى غاية نهاية التعليم الثانوي، حتى تتمكن الأسر من برمجة التزاماتها المالية دون مفاجآت قد تهدد استقرار تمدرس أبنائها.

ولم يتوقف التصعيد عند حدود الاحتجاجات الميدانية، إذ لجأت تنسيقيات أولياء الأمور، بتنسيق مع جمعيات مماثلة في دول أخرى، من بينها بلجيكا والبرتغال، إلى القضاء الفرنسي للطعن في قرار الوكالة، معتبرة أنه صدر في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحوار، بعدما أُعلن عنه تزامنًا مع انطلاق العطلة المدرسية، وهو ما ترى الأسر أنه مس بحقوقها في التشاور والمشاركة.

لكن الرسوم الدراسية ليست وحدها ما يؤجج التوتر داخل مؤسسات البعثة الفرنسية بالمغرب، إذ يبرز ملف ثانوية “سانت إكزوبيري” بالرباط باعتباره عنوانًا آخر لحالة الاحتقان المتصاعدة.

فمشروع بناء المؤسسة الجديدة، الذي كان يفترض أن يشكل خطوة نحو تطوير البنية التحتية، تحول إلى مصدر جديد للقلق بعد تعثر انطلاق الأشغال، رغم تخصيص غلاف مالي كبير قُدّر بنحو عشرة ملايين يورو، تم تمويله من مساهمات الأسر.

وكان التلاميذ قد نُقلوا مؤقتا إلى مؤسسة “ديور جماعة” في انتظار إنجاز المشروع، غير أن رخصة البناء لم تصدر إلى حدود اليوم، ما جعل مستقبل المؤسسة معلقًا، وأثار تساؤلات متزايدة حول مصير المشروع وآجاله الحقيقية.

وتضاعفت علامات الاستفهام بعد مراجعة الكلفة الإجمالية للمشروع من 18 مليون يورو إلى 12 مليون يورو، دون تقديم توضيحات مفصلة بشأن أسباب هذا التخفيض أو انعكاساته على طبيعة الأشغال وجودتها، وهو ما تعتبره جمعيات الآباء مؤشرا إضافياً على غياب الشفافية في تدبير الملف.

وضمن محاولات احتواء الأزمة، عقد المدير العام للوكالة الفرنسية للتعليم في الخارج، إلى جانب السفارة الفرنسية بالمغرب، اجتماعًا مع ممثلي أولياء الأمور بالرباط، خُصص لبحث سبل الخروج من حالة الاحتقان.

وخلال اللقاء، التزمت الوكالة بتقديم تصور نهائي قبل نهاية الصيف، يتضمن خيارًا واضحًا بشأن مستقبل مؤسسة “سانت إكزوبيري”، مع جدول زمني محدد لتنفيذ المشروع.

وتتوزع السيناريوهات المطروحة بين إعادة التلاميذ إلى المقر الأصلي بعد إعادة تأهيله، أو الإبقاء على المؤسسة الحالية بـ”ديور جماعة” مع إدخال تهيئة إضافية عليها، أو مواصلة المشروع الأصلي بعد مراجعة كلفته وبرنامجه المالي.

كما وعدت الوكالة بإعداد رؤية مالية متعددة السنوات قبل نهاية دجنبر 2026، تُحدد بشكل استباقي مسار الرسوم الدراسية، استجابة لأحد أبرز مطالب الأسر منذ بداية الأزمة.

غير أن هذه التعهدات، رغم ما تحمله من مؤشرات تهدئة، لم تبدد حالة الحذر التي تخيم على أولياء الأمور، الذين يعتبرون أن الأزمة تجاوزت مرحلة الوعود، وأصبحت تحتاج إلى قرارات عملية تضمن استقرار التمدرس، وتعيد بناء الثقة قبل انطلاق الموسم الدراسي المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى