ليست مباراة بين المغرب وفرنسا.. بل امتحان للقوة الناعمة

سعيد كان

لن تكون مباراة المغرب وفرنسا مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم.
ستحمل فوق أكتاف اللاعبين أكثر من كرة، وأكثر من نتيجة، وأكثر من حلم. ففي مثل هذه المباريات، لا يدخل التاريخ إلى الملعب من باب الإحصائيات، بل من باب الذاكرة. ذاكرة الاستعمار، والهجرة، واللغة، والهوية، والنجاحات المشتركة، والعلاقات التي لم تكن يومًا بسيطة بين البلدين.

فرنسا ليست خصمًا رياضيًا عاديًا بالنسبة للمغرب. إنها جزء من تاريخه الحديث، كما أن المغرب حاضر في تفاصيل المجتمع الفرنسي، من ملايين المواطنين ذوي الأصول المغربية إلى الحضور الثقافي والاقتصادي والإنساني الذي يصعب تجاهله.

لهذا تبدو المباراة أكبر من مواجهة بين منتخبين. إنها لقاء بين قصتين ظلتا متداخلتين لعقود، دون أن تلغي إحداهما الأخرى.
لكن بينما ينشغل اللاعبون بالمباراة، ينشغل كثيرون على مواقع التواصل بمعركة أخرى، أقل شرفًا وأكثر خطورة.
خلال الأيام الماضية، تصاعدت مشاحنات بين فئات من الجماهير المغربية والمصرية، وكأن المباراة أصبحت مناسبة لإعادة إنتاج خلافات لا علاقة لها بكرة القدم. تبادل للإهانات، وسخرية متبادلة، ومحاولات لتحويل المنافسة الرياضية إلى خصومة بين شعوب تجمعها اللغة والتاريخ والثقافة أكثر مما يفرقها.

هنا يبرز سؤال يستحق أن يُطرح: من المستفيد من كل هذا؟
لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاءات للتعبير، بل أصبحت أيضًا ساحات لحملات التأثير الرقمي، حيث تستطيع حسابات مجهولة أو شبكات منسقة تضخيم الخلافات، ودفع النقاش نحو الاستقطاب والكراهية، حتى يبدو وكأن الانقسام أكبر بكثير مما هو عليه في الواقع.

ليس كل تعليق غاضب حقيقيًا، وليس كل وسم يتصدر المنصات يعكس بالضرورة رأي الناس. وفي عصر الخوارزميات، يكفي عدد محدود من الحسابات المنظمة حتى يتحول نقاش عادي إلى أزمة، ويصبح الاستفزاز أكثر انتشارًا من العقل.
وهنا تكمن الخطورة.

حين نسمح لكرة القدم بأن تتحول إلى منصة للكراهية، فإننا نهدي من يريدون تقسيم المنطقة انتصارًا مجانيًا، حتى قبل أن تبدأ المباراة.
الحقيقة أن المغرب ومصر لا يحتاجان إلى مباراة لإثبات من الأكبر. كلاهما يملك تاريخًا رياضيًا وثقافيًا وإنسانيًا صنع جزءًا من الذاكرة العربية والإفريقية. وما يحتاجه الجمهور اليوم ليس أن يبحث عن عدو جديد، بل أن يتذكر أن المنافس الحقيقي يوجد داخل الملعب فقط.

المفارقة أن كرة القدم نفسها أثبتت في الأسابيع الماضية قدرتها على فعل العكس تمامًا.
فوز المغرب على هولندا لم يكن احتفالًا مغربيًا فقط، بل شاركت فيه جماهير عربية وإفريقية من الرباط إلى داكار، ومن نواكشوط إلى عمّان. شعر كثيرون بأنهم يشجعون فريقًا يمثل جزءًا من أحلامهم، لا لأنه يلعب باسمهم، بل لأنه يعيد إليهم الإحساس بأن النجاح ممكن.
وهذا هو المعنى الحقيقي للقوة الناعمة.

القوة الناعمة ليست أن تجعل الآخرين يخافون منك، بل أن تجعلهم يفرحون لك.
ليست أن تنتصر عليهم، بل أن تجعل انتصارك مصدر إلهام لهم.
ربما يفوز المغرب، وربما تفوز فرنسا، فهذه هي طبيعة الرياضة.
لكن الهزيمة الحقيقية ستكون إذا خرجت الشعوب العربية والإفريقية من هذه المباراة أكثر انقسامًا، بينما خرجت كرة القدم نفسها من رسالتها الأصلية.

لقد وُجدت الرياضة لتمنح الشعوب لغة مشتركة عندما تعجز السياسة عن ذلك، ولتفتح باب الاحترام المتبادل حين تغلقه الخلافات.

فإذا سمحنا للخوارزميات، أو للحسابات المجهولة، أو لمن يستثمرون في الاستقطاب، بأن يحولوا المدرجات الافتراضية إلى ساحات للكراهية، فلن يكون أحد قد انتصر، مهما كانت النتيجة على لوحة الملعب.
لعل أجمل ما يمكن أن تهدينا إياه مباراة المغرب وفرنسا ليس بطاقة العبور إلى الدور المقبل فحسب، بل تذكيرًا بسيطًا بأن الكرة، في أصلها، كانت دائمًا وسيلة لتقريب الشعوب… لا لتفريقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى