
بشرى عطوشي
تحليل ـ في الوقت الذي قرر فيه الاتحاد الأوروبي تشديد إجراءاته الصحية تجاه واردات اللحوم والمنتجات الحيوانية القادمة من البرازيل، بسبب مخاوف مرتبطة باستخدام بعض المضادات الحيوية المحظورة أوروبيا، يجد المغرب نفسه أمام لحظة تستدعي إعادة تقييم منظومة استيراد اللحوم، ليس انطلاقا من منطق التشكيك في سلامة الواردات، وإنما من منطق الوقاية الاستباقية وحماية الأمن الصحي للمستهلك المغربي.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع ما يعيشه عدد من أحياء مدينة الدار البيضاء خلال الأيام الأخيرة من انتشار روائح كريهة قيل إنها قد تكون مرتبطة بالسفن الراسية أو المنتظرة للدخول إلى ميناء الدار البيضاء، والتي تحمل شحنات من الأبقار المستوردة. وبينما يبقى مصدر هذه الروائح في حاجة إلى تحقيق رسمي يحدد أسبابه بدقة، فإن الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر: هل يمتلك المغرب منظومة رقابية كافية لمواكبة الارتفاع الكبير في واردات الماشية واللحوم؟
فالقرار الأوروبي لا يعني بالضرورة أن كل اللحوم البرازيلية غير صالحة للاستهلاك، كما لا يشكل حكما عاما على قطاع الإنتاج البرازيلي، لكنه يعكس فلسفة جديدة في تدبير الأمن الغذائي تقوم على الاحتياط قبل وقوع الضرر. فالاتحاد الأوروبي لم يكتف بفحص المنتج النهائي، بل أصبح يراقب أيضا ظروف تربية الحيوانات والأدوية المستعملة طوال دورة الإنتاج، باعتبار أن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية أصبحت من أخطر التهديدات الصحية عالميا.
وبالنسبة للمغرب، فإن استمرار الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد يفرض رفع مستوى اليقظة، خصوصا أن المملكة أصبحت خلال السنوات الأخيرة تستورد أعداداً مهمة من الأبقار واللحوم لتغطية النقص في العرض الوطني وضبط الأسعار.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ينبغي منع استيراد الأبقار البرازيلية؟ بل: هل ينبغي تعزيز منظومة الرقابة بما يتناسب مع المستجدات الدولية؟
الجواب يبدو واضحا. فحماية المستهلك المغربي تقتضي الانتقال من الرقابة التقليدية إلى رقابة استباقية تعتمد على تحليل المخاطر، وتتبع سلسلة الإنتاج كاملة، وإجراء تحاليل مخبرية دورية للكشف عن بقايا المضادات الحيوية والمواد البيطرية، مع إعلان نتائج هذه المراقبة للرأي العام بكل شفافية لتعزيز الثقة.
كما أن المرحلة تستدعي قيام المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بتكثيف عمليات المراقبة داخل الموانئ، وعدم الاكتفاء بالوثائق المرفقة بالشحنات، بل توسيع نطاق أخذ العينات المخبرية كلما استدعت مؤشرات المخاطر ذلك، إلى جانب تعزيز التنسيق مع المصالح البيطرية والجمارك والسلطات المينائية.
وفي المقابل، لا يمكن للمغرب أن يبقى رهينا لتقلبات الأسواق الخارجية. فالاعتماد المتزايد على الاستيراد يجعل الأمن الغذائي الوطني عرضة لأي قرار تتخذه الدول المصدرة أو الأسواق الكبرى. ولذلك فإن الحل الاستراتيجي يكمن في إعادة بناء القطيع الوطني، وتشجيع المربين، وتحسين إنتاج الأعلاف، ودعم الاستثمار في تربية الماشية، حتى يصبح الاستيراد أداة استثنائية لسد الخصاص، لا خيارا دائما.
أما إذا ثبت بعد التحقيق أن الروائح المنبعثة من محيط ميناء الدار البيضاء مرتبطة فعلا بسفن نقل المواشي، فإن ذلك يستوجب أيضاً مراجعة شروط رسو هذه السفن، وتسريع إجراءات التفريغ، وفرض معايير بيئية وصحية أكثر صرامة، حفاظاً على صحة السكان وجودة الحياة داخل المدينة.
إن القرار الأوروبي لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية تجارية فقط، بل باعتباره إنذاراً مبكراً يدعو جميع الدول المستوردة إلى مراجعة منظوماتها الرقابية. والمغرب، الذي جعل من حماية المستهلك والأمن الصحي أولوية دستورية، يملك اليوم فرصة لتحويل هذا التطور الدولي إلى مناسبة لتعزيز الثقة في منظومته الغذائية، عبر الشفافية، والرقابة العلمية، والاستثمار في الإنتاج الوطني، حتى يبقى أمن المواطن الغذائي فوق كل اعتبار.





