
مديحة المهادنة
خبر_في كل استحقاق انتخابي، تتجه الأنظار إلى الحزب الفائز وعدد المقاعد التي حصدها، بينما تبقى الكتلة الأثقل خارج الحسابات: ملايين المغاربة الذين لم يصل صوتهم إلى صناديق الاقتراع. هؤلاء لا يشكلون هامشا انتخابيا عابرا، بل قوة صامتة يتجاوز حجمها القواعد الناخبة للأحزاب، وتكشف اتساع أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
هذه الخلاصة تضمنها تقرير المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب: أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035″، الصادر في يونيو 2026 عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD)، والذي يقدم قراءة تحليلية لمسار المشاركة السياسية بالمغرب منذ الاستقلال، مع تشخيص لأزمة الثقة التي تطبع العلاقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية.
ويؤكد التقرير أن ما يسميه بـ”الفئة الصامتة” لا يمثل مجرد مؤشر انتخابي عابر، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بضعف الوساطة السياسية وتراجع قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين وإقناعهم بجدوى المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
استنادا إلى المعطيات التي اعتمدها التقرير، بلغ عدد المواطنين المؤهلين للتصويت خلال انتخابات 2021 حوالي 25.23 مليون شخص، في حين لم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.51 مليوناً، بينما بلغ عدد المصوتين فعلياً 8.8 ملايين ناخب، أي ما يعادل 34.9 في المائة فقط من مجموع المؤهلين للتصويت. وبالمقابل، قدرت الدراسة حجم “الفئة الصامتة” بحوالي 16.4 مليون مواطن، أي 65.1 في المائة من مجموع المؤهلين.
التقرير يخلص أن هذه الأرقام تجعل من الامتناع عن المشاركة “الكتلة الانتخابية الأولى” من حيث الحجم، معتبرين أن ذلك يطرح تحديات تتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية، وتمس مستوى الشرعية التمثيلية وجودة الوساطة السياسية.
لا يتعامل التقرير مع العزوف باعتباره قرارا فرديا معزولا، بل يربطه بسلسلة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويشير إلى أن عددا من المواطنين فقدوا الثقة في قدرة الأحزاب على الوفاء بوعودها، أو في تأثير التصويت على تحسين أوضاعهم المعيشية، فضلاً عن الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بالضرورة على السياسات العمومية بالشكل الذي ينتظره الناخبون.
كما يلفت إلى أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً وسط الشباب، ساهمت بدورها في تحويل أولويات فئات واسعة من المواطنين نحو الانشغالات اليومية، على حساب الانخراط في الشأن السياسي.
ويستعرض التقرير تطور نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية منذ ستينيات القرن الماضي، مبرزاً أن المشاركة عرفت منحى تنازلياً على امتداد عقود، بعدما بلغت مستويات مرتفعة خلال السبعينيات، قبل أن تسجل أدنى نسبة سنة 2007 بحوالي 37 في المائة، ثم ترتفع إلى 50.35 في المائة خلال انتخابات 2021.
غير أن التقرير يشدد على أن هذه النسبة الأخيرة تحتسب انطلاقاً من المسجلين في اللوائح الانتخابية، ولا تعكس حجم المشاركة الفعلية مقارنة بإجمالي المواطنين المؤهلين للتصويت، وهو ما يجعل قراءة المؤشرات تستوجب أخذ الفجوة بين المؤهلين والمصوتين بعين الاعتبار.
ويعتبر التقرير أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بانخفاض نسب المشاركة، وإنما بما يسميه “أزمة الوساطة السياسية”، موضحاً أن الأحزاب لم تعد تؤدي، بالفعالية نفسها، دورها في الربط بين المجتمع ومؤسسات الدولة، نتيجة عوامل من بينها ضعف الديمقراطية الداخلية، وتشابه الخطابات والبرامج، وهيمنة منطق التحالفات والحسابات الانتخابية على حساب التنافس البرامجي.
وفي هذا السياق، يستند التقرير إلى نتائج الباروميتر العربي (2023-2024)، التي تشير إلى أن مستوى الثقة في الأحزاب السياسية لا يتجاوز 18 في المائة، مقابل نسب أعلى تجاه مؤسسات أخرى، مع التأكيد على أن هذه المؤشرات تعكس نتائج استطلاع رأي وليست قياساً نهائياً أو حكماً قاطعا.
ولا يكتفي التقرير بتشخيص الوضع، بل يقترح مجموعة من التوصيات، من بينها اعتماد التسجيل الآلي في اللوائح الانتخابية عند بلوغ سن الرشد، وإعداد خرائط دقيقة للعزوف حسب الفئات العمرية والمجالات الترابية، إلى جانب تطوير أدوات رقمية آمنة لتيسير المشاركة، وتعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وربط تقييمها بمؤشرات قابلة للقياس.
ويخلص التقرير إلى أن استعادة ثقة المواطنين في العملية السياسية لن تتحقق عبر الحملات التواصلية وحدها، وإنما من خلال إصلاحات مؤسساتية تعيد الاعتبار لدور الأحزاب، وتعزز الشعور بأن المشاركة الانتخابية قادرة فعلاً على التأثير في صناعة القرار والسياسات العمومية.





