
حسين العياشي
خبر_ انكمش المشهد السياسي، بكل تعقيداته، داخل سؤال واحد يردده عزيز أخنوش كلما غادر منتخب أو أحد الأعيان حزبه: “واش مول الكورة هو اللي هضر معاك؟”. سؤال يبدو عابراً، لكنه يكشف أكثر مما يخفي؛ إذ يوحي بأن رئيس الحزب لم يعد يبحث عن أسباب النزيف داخل بيته السياسي، بقدر ما أصبح منشغلاً بمن يقف خلفه.
حين يصل حزب يتوفر على رئاسة الحكومة، والمال السياسي، وآلة تنظيمية ضخمة، إلى هذه المرحلة من الشك، فذلك لا يكشف قوة الخصم بقدر ما يكشف هشاشة الثقة داخل البيت نفسه. فالأحزاب التي تطمئن إلى مشروعها السياسي تسأل: “لماذا غادرتم؟” أما الأحزاب التي يبدأ القلق بالتسلل إليها، فإنها تنشغل بالسؤال عن الشخص الذي أقنعكم بالمغادرة.
والمفارقة أن بطل الحكاية ليس أمينا عاما لحزب، ولا زعيما للمعارضة، بل مسؤول حكومي ورئيس جامعة لكرة القدم، تحول اسمه، إلى كلمة سر تفتح أبواب التأويل كلما أعلن منتخب أو أحد الأعيان تغيير وجهته السياسية. يكفي أن يُذكر اسم فوزي لقجع حتى ترتفع حرارة الكواليس، وتبدأ ماكينة الإشاعات في العمل، وتُقرأ كل استقالة باعتبارها قطعة جديدة في لوحة لم تكتمل بعد.
قد يكون لقجع نفى كل ما نُسب إليه، لكن السياسة لا تعترف دائما بالنفي. ففي هذا العالم، كثيرا ما تعيش الإشاعة عمرا أطول من الحقيقة، ويصبح الانطباع السياسي أكثر نفوذا من الوقائع نفسها. ولهذا لم يكن مستغربا أن تتحول عبارة “مول الكورة” إلى اختزال ساخر لحالة سياسية كاملة، عنوانها أن الانتخابات المقبلة لم تعد تُخاض بالبرامج، بل بمن يستطيع أن يجذب الأعيان ويُعيد رسم خرائط الولاء قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
والأخطر أن المشهد يكشف أزمة أعمق من مجرد انتقالات حزبية. فإذا كان حزب يقود الحكومة يخشى أن يخطف منه شخص واحد هذا العدد من المنتخبين، فالسؤال الحقيقي ليس من تحدث معهم، بل لماذا أصبحوا مستعدين للاستماع إلى أي شخص أصلا؟ فالأحزاب القوية لا تخسر رجالها بسبب همسة في الهاتف، وإنما حين يتسلل إلى قواعدها شعور بأن سفينة المستقبل قد لا ترسو في الميناء نفسه.
هكذا، وبين سؤال يبدو بسيطا، “واش مول الكورة هو اللي هضر معاك؟”، تتسرب رسالة سياسية أكثر إزعاجا، معركة 2026 بدأت بالفعل، لكن ليس في المهرجانات الخطابية، بل داخل الهواتف المغلقة، واللقاءات السرية، ومكاتب استقطاب الأعيان، حيث تُصنع السياسة الحقيقية بعيدا عن الخطب والشعارات.





