السياحة بجهة فاس مكناس.. مؤهلات كبيرة تصطدم بضعف البنيات والترويج

جمال بلـــــة

رغم ما تزخر به جهة فاس مكناس، وإقليم تازة على وجه الخصوص، من مؤهلات طبيعية وتراثية وبيئية تجعلها من بين الوجهات السياحية الواعدة بالمغرب، فإن العرض السياحي بالجهة ما يزال دون مستوى الإمكانات المتاحة، الأمر الذي يحد من قدرتها على استقطاب أعداد أكبر من السياح والمستثمرين، ويؤخر مساهمة القطاع في تحقيق التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل.

فالمؤشرات الميدانية تؤكد أن عددا من المواقع السياحية، رغم شهرتها وقيمتها البيئية والثقافية، لا تزال تعاني من اختلالات هيكلية تستوجب تدخلا عاجلا لتأهيلها وإدماجها ضمن رؤية تنموية متكاملة.

ويبرز ضعف البنية التحتية في مقدمة أوجه القصور التي تعاني منها الوجهة السياحية بالجهة، حيث ما تزال العديد من المواقع الطبيعية والجبلية تفتقر إلى طرق ومسالك مؤهلة، وهو ما يصعب عملية الولوج إليها، خاصة خلال فصل الشتاء أو في فترات التساقطات المطرية، كما يلاحظ نقص واضح في التشوير السياحي، سواء على الطرق الرئيسية أو داخل المواقع السياحية، الأمر الذي يحد من قدرة الزوار على التعرف على المؤهلات المتوفرة والاستفادة منها.

ومن أبرز الإشكالات كذلك محدودية الطاقة الإيوائية، سواء من حيث عدد الفنادق أو دور الضيافة أو الإقامات السياحية والمخيمات الجبلية، وهو ما لا يواكب حجم المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها الجهة، ولا ينسجم مع تطلعات السائح الباحث عن خدمات متنوعة تستجيب للمعايير الحديثة. ويزداد هذا الوضع حدة في المناطق القروية والجبلية التي تمتلك مؤهلات كبيرة للسياحة الإيكولوجية وسياحة المغامرات، لكنها تظل شبه غائبة عن خارطة الاستثمار السياحي.

كما يعاني العرض السياحي من ضعف تثمين المنتوجات الطبيعية والثقافية، إذ لا تزال العديد من المواقع، من قبيل المغارات والعيون الطبيعية والمنتزهات والغابات، تفتقر إلى مرافق الاستقبال والإرشاد والتأطير، فضلا عن غياب برامج منظمة لتنشيط هذه الفضاءات أو إدراجها ضمن مسارات سياحية متكاملة تربط بين الطبيعة والتراث والمنتوج المحلي.

ويضاف إلى ذلك ضعف التسويق والترويج السياحي، حيث لا تحظى الجهة بالحضور الكافي في المنصات الرقمية والمعارض الوطنية والدولية، كما أن المحتوى الترويجي المتوفر يظل محدودا ولا يعكس التنوع الكبير الذي تتميز به المنطقة.

ويؤكد مهنيون أن الاستثمار في التسويق الرقمي وإنتاج محتوى احترافي متعدد اللغات أصبح ضرورة ملحة لتعزيز جاذبية الوجهة واستقطاب أسواق سياحية جديدة، وتبرز أيضا الحاجة إلى تطوير الخدمات الموجهة للسياح، من خلال توفير مراكز للاستقبال والاستعلام، وتأهيل المرشدين السياحيين، وإحداث فضاءات للراحة، وتحسين مستوى النظافة والخدمات الأساسية داخل المواقع السياحية، بما يضمن تجربة متكاملة للزائر ويشجعه على تكرار الزيارة.

كما أن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي اعتماد رؤية استراتيجية تقوم على تشجيع الاستثمار السياحي، وتحسين البنية التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، وتثمين التراث الطبيعي والثقافي، مع إشراك الجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في بلورة مشاريع تنموية مستدامة، قادرة على تحويل المؤهلات المتوفرة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وتعكس الأسئلة الكتابية التي وجهها عدد من البرلمانيين عن جهة فاس – مكناس إلى الحكومة حجم الانشغال الذي يطبع واقع القطاع السياحي بالجهة، حيث طالب برلمانيو الجهة بالكشف عن التدابير والإجراءات العملية الكفيلة بتأهيل العرض السياحي، وتحسين البنيات التحتية المؤدية إلى المواقع الطبيعية والتراثية، وتعزيز الاستثمار في مؤسسات الإيواء، فضلا عن تثمين المؤهلات الجبلية والإيكولوجية التي تزخر بها أقاليم الجهة، وفي مقدمتها إقليم تازة.

كما دعا البرلمانيون من خلال هذه الأسئلة إلى وضع استراتيجية مندمجة للترويج السياحي، وتوفير الاعتمادات اللازمة لتأهيل المواقع السياحية، ودعم المشاريع المحلية القادرة على خلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى جعل السياحة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى