الجامعة المغربية: من ابتكار الحلول إلى عبء على التنمية

بقلم: ياسين امناي متخصص في علم النفس الاجتماعي
إذا أردنا أن نقيم الدور الحقيقي الذي تلعبه الجامعة المغربية في سياق التحولات الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية التي يمر بها المجتمع اليوم فمن الضروري أن نعطي الموضوع مكانته التاريخية للكشف عن الجذور والتحديات والفرص، التي يمكن أن تحول الجامعة إلى قوة وطنية فاعلة ومرنة قادرة على المساهمة في بناء المغرب الصاعد.
إلا أن الصورة التي تظهر واضحة هي ضعف وتآكل المرافق الجامعية خاصة في المناطق غير الحضرية حيث تتفتقر المختبرات إلى التجهيزات الحديثة، فضلا عن ضعف شبكة الإنترنت وقلة الوسائل التكنولوجية الضرورية لتعليم يعتمد بشكل متزايد على التقنية. هذا الوضع يعكس بشكل مباشر غياب استراتيجية واضحة للاستثمار في القطاع وفق مرجعية العدالة المجالية، حيث تبقى السياسات الحكومية غير كافية و غير فعالة وتعتمد على رصد ميزانيات محدودة لا تساير حجم التحديات التي يواجهها الطلبة والأساتذة على حد سواء.
هذا النقص في الموارد ينعكس أيضا على البحث العلمي الذي يعد رافعة أساسية في الدول الديمقراطية التي تسعى إلى تطوير المجتمع، بمعنى الجامعة هي مرآة المجتمع، وبما أن الميزانيات المخصصة للبحث العلمي ضعيفة، وتصرف بشكل محدود مما يحول دون تطوير برامج بحثية ذات جدوى، ويجعل الباحثين يعانون من عدم توفر التجهيزات الأساسية ويجبر الطلاب على الاعتماد على أدوات وتقنيات غير كافية وغير قادرة على مواكبة التطورات الدولية. بالتالي، تظل الجامعة غير قادرة على أن تكون محرك للابتكار أو منصة لإنتاج المعرفة القادرة على معالجة المشاكل المجتمعية مثل البطالة و التهميش و الاقصاء الاجتماعي وتدهور بيئي وتغيرات مناخية.
أما على مستوى التكوين تعاني الجامعة من أزمة هوية من خلال اعتماد مناهج متقادمة و غير متجددة ولا تتماشى مع حاجيات سوق الشغل خاصة في ظل التحول الرقمي السريع وتطور التخصصات الجديدة التي تتطلب مهارات تقنية عالية. فغياب تحديث البرامج وغياب الرؤى الاستراتيجية التي تعتمد على التفاعل مع حاجات المجتمع يجعل الطلبة يتخرجون بحمولات معرفية نظرية، لكنها غير ملائمة لتحديات العصر، مما يفاقم من مشكلة البطالة، ويزيد من نسبة الخريجين غير المستفيدين من فرص العمل، خاصة في القطاعات التقنية والصناعية والخدماتية.
كما أن هناك ضعف في التركيز على المهارات الناعمة مثل التفكير النقدي والابتكار، والعمل الجماعي، والقدرة على حل المشكلات، وهي المهارات التي أصبحت ضرورية في سوق الشغل الحديث. هذا النقص يعزى إلى غياب ثقافة التكوين المستمر وعدم وجود برامج تدريبية موجهة، أو دعم حقيقي لمبادرات التطوير المهني المستدام مما يجعل الطلبة عند تخرجهم، غير مؤهلين للمساهمة في بناء اقتصاد المعرفة أو حتى للمشاركة في المبادرات الاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تحدث تغييرات نوعية في المجتمع.
أما فيما يخص البحث العلمي و الابتكار فهو أحد الركائز الأساسية لأي جامعة، لكنه في الحالة المغربية يعاني من ضعف كبير فبالإضافة إلى ضعف التمويل تتسم البحوث العلمية بعدم التركيز على قضايا المجتمع الانية والمستقبلية ولا على التحديات الوطنية حيث تظل منشورات الباحثين غالبا أكاديمية غير ذات أثر ملموس على حياة الناس أو على تطوير القطاعات الحيوية كالزراعة، و السياسية والصناعة، والخدمات، والطاقة. يضاف إلى ذلك غياب ثقافة الابتكار وضعف التعاون مع القطاع الخاص الذي يفترض ان يكون قطاع مواطن و شريك استراتيجي في تمويل المشاريع البحثية وتوجيهها نحو الحلول التطبيقية ذات أثر واقعي يستشعر جل المواطنين المغاربة.
علاوة على ذلك فإن ضعف البنية التحتية للبحث وقلة البرامج الممولة يؤديان إلى تقوقع الباحثين على نطاق محدود ويؤدي إلى تراجع الإنتاج العلمي،خاصة إذا استثنينا بعض الجامعات الكبرى، التي تحاول أن تبقى من بين الأفضل في التصنيفات الدولية. هذا الواقع يضعف من قدرة الجامعة على أن تكون قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل منها مؤسسة ينظر إليها كفضاء للتعليم النظري وليس كمحرك للابتكار والتطوير.
هذا من جهة و من جهة أخرى
تعاني الجامعة المغربية من ضعف في قدرتها على إحداث حوار وطني مستدام قادر على معالجة قضايا المجتمع الكبرى،ط مثل الهوية والتعددية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والديمقراطية. فالمناهج التعليمية خاصة في بعض التخصصات تفتقر إلى محتوى يعزز التفكير النقدي ويحفز الطلبة على المشاركة الفاعلة في النقاشات العامة وهو ما يضعف من دورها كمؤسسة فاعلة في التوعية وتشكيل الوعي الجمعي.
كما أن غياب البرامج التي تركز على التفاعل مع المجتمع وتطوير المبادرات الاجتماعية يعطي صورة عن جامعة غير منخرطة بشكل فعال في قضايا المجتمع، بل تعزل داخل جدرانها وتقتصر على أداء وظيفة أكاديمية سطحية تتسم بالجمود وتفتقد إلى القدرة على مواكبة التحولات السياسية والثقافية. هذا الوضع يساهم في تكريس حالة من الانفصال بين الجامعة والمجتمع ويضعف من قدرتها على أن تكون منصة لإحداث التغيير الاجتماعي المطلوب.
وهذا ما يدفعنا للحديث عن فعالية الجامعة في إحداث التنمية الاجتماعية بحيث نلاحظ أن هناك فجوة واضحة بين الأدوار الحقيقة والواقع الذي تعيشه. فغياب برامج التكوين المتخصصة، وضعف دعم المبادرات الشبابية و محاربة الكفاءات العلمية الوطنية و الاشتغال بمنطق”الكليكات” بدل الجماعة العلمية يهددان بمزيد من النكوص و التأخر عن الركب و مصف الدول التي تعتمد على العلم كمدخل مركزي في تغيير أحوال المجتمع إلى الأفضل.
وفي النهاية، يتضح أن الجامعة المغربية رغم ما تتوفر عليه من تاريخ عريق لا تزال عاجزة عن أن تكون قوة حقيقية قادرة على إحداث التغيير المطلوب وذلك راجع لتراكم عدة أسباب من بينها ضعف التمويل والجمود في المناهج وضعف البحث العلمي و غياب الرؤية الاستراتيجية، لذا فإن إصلاحها يتطلب إرادة سياسية قوية و مشروع واضح المعالم وشراكات فاعلة وتوجيهات تتماشى مع متطلبات العصر الرقمي حتى تكون قادرة على أن تلعب دورها كمحرك للتنمية ومصدر للفكر والابتكار وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعيةووإعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات التعليمية.
إن الجامعة المغربية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن تتجاوز حالة الركود وتتبنى رؤية جديدة تتسم بالجرأة والمرونة تضع على رأس أولوياتها التحديث المستمر والبحث عن حلول وتطوير برامجها لتكون منارات للعلم والمعرفة ، وإن لم تستفق فإنها ستظل جزءا من المشكل بدل أن تكون جزءا من الحل .





