استخدام المبيدات..أزيد من 52 في المائة من العاملين الزراعيين يصابون سنويا بتسمم حاد

بشرى عطوشي
دراسة_يتعرض 52.9 في المائة من العاملين في القطاع الفلاحي بالمغرب سنويا للتسمم الحاد غير المقصود الناجم عن استخدام المبيدات.
وكشفت دراسة للمجلة العلمية
بعنوان “التسمم الحاد غير المقصود بالمبيدات على المستوى العالمي: إعادة تقييم العبء المهني وغير المهني”، أن هذه التقديرات تخص الأعراض الصحية الفورية الناجمة عن التعرض العرضي أو المهني خلال عمليات التحضير والرش أو ملامسة المحاصيل والأدوات الملوثة.
وأكد القائمون على البحث أن نطاق التقييم يقتصر حصرا على الإصابات الحادة الطارئة دون التطرق للحالات المتعمدة كالانتحار، أو قياس الترسبات الكيميائية في المواد الغذائية والمياه، أو بحث الأمراض المزمنة والأورام السرطانية الممتدة عبر الزمن، مبرزين عدم وجود أي دعم مالي أو مصالح تجارية قد تؤثر على حيادية النتائج المصرح بها.
وعلى الصعيد العالمي، اعتمدت الدراسة، التي أعدها أربعة خبراء ينتسبون لشبكة العمل ضد المبيدات بجهات مختلفة من العالم، على مراجعة منهجية شملت 214 منشوراً علمياً أُنجزت بين عامي 2006 و2023 وتغطي 62 دولة، إلى جانب الاستعانة بسجلات الوفيات المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية في 77 بلدا آخر.
وخلص الباحثون إلى أن عدد حالات التسمم الحاد غير المقصود حول العالم يتراوح سنويا بين 402 و433 مليون حالة، تتسبب في وفاة نحو 11 ألف شخص، ما يمثل حوالي 46 في المائة من مجموع الفلاحين والعمال الزراعيين البالغ عددهم زهاء 934 مليون شخص عبر العالم.
وفيما يتعلق بالوضع المحلي، حددت التقديرات الصادرة عن النمذجة المعتمدة نسبة الإصابات الحادة غير المميتة بين المهنيين الزراعيين بالمغرب في حدود 52.9 في المائة، مع الإشارة إلى مسح مقارن آخر ضمن العمل ذاته يرفع هذه النسبة إلى 85 في المائة.
وعزا الخبراء هذا التفاوت الشاسع إلى اختلاف المنهجيات المستعملة في صياغة الأسئلة الموجهة للمستجوبين، ومدى دقة تحديد فترة التذكر والتعريف الطبي المعتمد لحالة التسمم.
واستند التقييم الموجه للمغرب إلى دراسات ميدانية سابقة، من بينها بحث أُنجز بمنطقة مكناس وشمل 402 من الأسر الزراعية موزعة على 15 جماعة قروية، حيث تم رصد استخدام 74 مستحضرا تجاريا للمبيدات أدت إلى ظهور أعراض جلدية وتنفسية لدى العديد من المستجوبين.
هذه المعطيات لا تعكس بالضرورة الواقع الزراعي المتنوع بباقي المناطق الوطنية، ولاسيما حقول الفواكه الحمراء والخضروات بالأقاليم الشمالية كالعرائش ووزان وشفشاون وتطوان والحسيمة، والتي تظل خارج خريطة البيانات التفصيلية للدراسة.
وسجل المصدر ذاته وجود صعوبات في حصر الحالات الدقيقة بالمملكة نظرا لغياب بيانات حديثة مصنفة حول وفيات التسمم غير المقصود بالمبيدات في قاعدة منظمة الصحة العالمية منذ سنة 2016، فضلا عن كَوْن السجلات الاستشفائية الرسمية لا تستوعب سوى الحالات الحرجة الوافدة على المستشفيات، بينما تتوارى الحالات الخفيفة والمتوسطة دون تدوين، أو تُشخص كأعراض عادية كالصدام والغثيان والتهاب الجلد دون ربطها المباشر بالتعرض الكيميائي في الحقول.
وأشار التقرير إلى بعض القيود المنهجية التي واجهت البحث، ومنها الاقتصار على المراجع المنشورة باللغات الإنجليزية والألمانية والإسبانية، مما قد يكون أدى إلى عدم إدماج أبحاث ودراسات صادرة باللغتين العربية والفرنسية الأكثر انتشارا في الأوساط الصحية والزراعية المغربية، إضافة إلى التفاوت الملحوظ في مستويات جودة المسوح الميدانية المعتمدة.
وشدد الباحثون في ختام طرحهم على ضرورة تعزيز منظومات الرصد الصحي الوطنية لمتابعة الحالات غير المميتة، وحظر أو تقييد استخدام المبيدات عالية الخطورة وقصرها على المهنيين المدربين، مع إلزام أرباب العمل بتوفير أدوات الوقاية الشخصية للعاملين. وتظل هذه الأرقام المقدرة بمثابة مؤشر دال يقتضي إرساء آليات تقصٍ ميدانية دقيقة تشمل مختلف الجهات والأقاليم للوقوف على الحجم الحقيقي للظاهرة في الضياعات الفلاحية.
خلص التقرير إلى أن العديد من الدول تفتقر إلى دراسات استقصائية حول التسمم الغذائي الحاد بين المزارعين والعمال. إضافةً إلى ذلك، تفتقر هذه الدراسات إلى تعريف موحد لحالات التسمم الحاد.
وأوصي التقرير الباحثين بالاعتماد في تعريف الحالات على تصنيف الاتحاد الدولي لعلوم الصيدلة (IFSC)، مع توضيح الفئة السكانية المستهدفة، وفترة الكمون، وفترات الخطر.
تشمل التوجهات المستقبلية لدراسات التسمم الغذائي الحاد إجراء دراسات مستقبلية للنتائج المزمنة، بهدف فهم أفضل للآثار طويلة المدى للتسمم الحاد.
وشددت الدراسة في خلاصتها على ضرورة أن تُفرّق التقارير الحكومية والمستشفيات، في المستقبل بين المزارعين والعمال والأطفال في آليات الإبلاغ، بما يسمح بفهم أفضل لمدى انتشار المشكلة في هذه الفئات السكانية.
أخيرًا، من شأن تحسينات جمع البيانات أن تُتيح رصدًا منتظمًا وموثوقًا للتسمم الغذائي الحاد، وأن تدعم تنفيذ وتقييم سياسات الصحة العامة الوقائية.





