“الريادة” تبدأ بإزناكن.. لكن الطريق إلى المدرسة ما يزال امتحانا شاقا للتلاميذ

أميمة حدري
في إزناكن، لا يبدو الوصول إلى المدرسة مهمة تعليمية عادية، بل رحلة تبدأ قبل دخول القسم وتنتهي بعده بكثير. فمع انطلاق الموسم الدراسي، وجد تلاميذ ينحدرون من دواوير متباعدة أنفسهم أمام معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شاقة في الواقع، الحضور اليومي إلى المؤسسات التعليمية في مقابل غياب وسائل النقل والإيواء التي يفترض أن تجعل هذا الحضور ممكنا وآمنا.
وتأتي هذه الوضعية في وقت تدخل فيه المؤسسات التعليمية بالمنطقة لأول مرة ضمن مشروع مؤسسات “الريادة”، بما يحمله ذلك من رهانات مرتبطة بتحسين جودة التعلمات وتطوير الممارسة التعليمية. غير أن صورة “الريادة” داخل القسم تبدو، بالنسبة إلى أسر عدد من التلاميذ، أقل اكتمالا خارج أسواره، حيث تظل الطريق والمسافة والسكن المدرسي عناصر حاسمة في قدرة التلميذ على الوصول إلى المدرسة والاستمرار فيها.

وبحسب إفادات عدد من الآباء وأولياء الأمور لـ”إعلام تيفي“، فقد حرصت الأسر على مرافقة أبنائها إلى المؤسسات التعليمية، استجابة للدعوة إلى الالتحاق الفعلي بالأقسام وانتظام الدراسة، غير أن الالتزام نفسه اصطدم بواقع لم يتغير بالسرعة ذاتها، خصوصا ما يتعلق بالنقل المدرسي وجاهزية القسم الداخلي.
المفارقة هنا أن التلميذ مطالب بالانتظام، بينما تظل بعض الشروط التي تجعل الانتظام ممكنا معلقة. فبالنسبة إلى أبناء الدواوير البعيدة والمناطق الجبلية، لا يتعلق الأمر بمجرد دقائق إضافية في الطريق، وإنما بمسافات وظروف تنقل تجعل الوصول اليومي إلى المؤسسة تحديا قائما بذاته، وتحمل الأسر أعباء مادية ولوجستية إضافية.
ولا تقف المشكلة عند حدود النقل، إذ تشير إفادات الأسر إلى أن القسم الداخلي لم يكن جاهزا بشكل كامل مع بداية الموسم الدراسي، في وقت كان يفترض فيه أن يوفر الإيواء حلا للتلاميذ الذين تحول المسافة والجغرافيا بينهم وبين الحضور اليومي العادي. وهكذا يجد عدد من الأسر نفسها أمام سؤال عملي أكثر من كونه تربويا: كيف يمكن ضمان الانتظام في الدراسة حين لا تزال الوسائل التي تسمح به غير متوفرة؟.
وتكفي صور وفيدهويات التقطت من أمام ساحة مدرسة إدريس الأول بذات المنطقة، لتظهرصعوبة الوضع بشكل أكثر وضوحا، بعدما تزامنت بداية الموسم الدراسي مع تساقطات مطرية ورعدية، فيما ظل عدد من التلاميذ خارج أسوار المؤسسة التعليمية. وهي صورة تختزل جانبا من الإشكال الذي تواجهه المنطقة: مدرسة موجودة، وتلاميذ راغبون في الدراسة، لكن الطريق إلى المقعد الدراسي لا يزال محفوفا بالعراقيل.
ولا تبدو الأسر، وفق إفاداتها، في موقع الرافض للتمدرس أو المتردد في الاستجابة للتوجيهات، بل على العكس من ذلك، تؤكد أنها تريد لأبنائها مواصلة الدراسة في ظروف عادية ومستقرة. غير أن ما تطالب به هو أن تكون الالتزامات متبادلة، بحيث يقابل إلزام التلميذ بالحضور توفير الحد الأدنى من الشروط التي تمكنه من الوصول إلى المؤسسة والعودة إلى منزله في ظروف ملائمة.
وتضع هذه المعطيات مشروع “الريادة” أمام اختبار يتجاوز جدران القسم. فنجاح أي تحول في المدرسة لا يقاس فقط بما يحدث داخل الفصل، ولا بما تقدمه المناهج أو طرق التدريس، وإنما أيضا بقدرة المنظومة المحيطة على إزالة العوائق التي قد تمنع التلميذ أصلا من الوصول إلى المدرسة. وفي المناطق ذات التضاريس الصعبة والدواوير المتباعدة، يصبح النقل والإيواء جزءا من المعادلة التعليمية، وليس خدمة هامشية يمكن تأجيلها.
ومن هذا المنطلق، تطالب الأسر والساكنة المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بورزازات بالتدخل العاجل، والانتقال إلى المنطقة للوقوف على الوضع والاستماع مباشرة إلى الآباء والفاعلين المحليين، بدل الاكتفاء بتدبير الإشكال من بعيد. كما وجهت الأسر نداء إلى عامل إقليم ورزازات من أجل الدفع نحو حل عملي ومستدام يضع حدا لهذه الوضعية.

وأفادت مصادر من عين المكان لـ”إعلام تيفي” بأن عددا من الحجرات المدرسية لم تكن قد جفت بشكل كامل من آثار صباغة الجدران، ما أدى، وفق إفادات متطابقة، إلى انتشار روائح قوية داخل الفضاءات الدراسية وتسببها في حالات من الضيق والاختناق لدى بعض التلاميذ.
وفي ظل هذه الظروف، ظل عدد من التلاميذ خارج أسوار المؤسسة التعليمية، في وقت شهدت فيه المنطقة تساقطات مطرية ورعدية، ما زاد من صعوبة وضعهم في أول أيام الموسم الدراسي.
وأمام استمرار الإشكالات المرتبطة بالنقل والإيواء وظروف استقبال التلاميذ، اضطرت بعض الأسر، وفق إفاداتها، إلى إعادة أبنائها إلى المنازل، في انتظار معالجة هذه الاختلالات وتوفير الظروف الضرورية لضمان دخول مدرسي سليم ومستقر، يتيح للتلاميذ الالتحاق بمؤسساتهم في ظروف ملائمة وآمنة.





