مديحة خيير.. مسار حافل بالكفاءة والالتزام يتوّج بثقة ملكية ومسؤولية وزارية (بورتريه)

مديحة المهادنة
بعد مسار جمع بين المسؤولية الإدارية والعمل الحزبي والممارسة البرلمانية، انتقلت مديحة خيير إلى الجهاز التنفيذي، عقب تعيينها، اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، من طرف الملك محمد السادس، وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ضمن الحكومة الجديدة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، لتفتح بذلك مرحلة جديدة في مسيرتها السياسية والمهنية، بعد أيام قليلة من توليها رئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب.

ويأتي هذا التعيين تتويجا لمسار امتد لأكثر من ثلاثة عقود، بدأ من التنظيمات الشبابية لحزب الاستقلال بمدينة قصبة تادلة، بإقليم بني ملال، قبل أن يتطور عبر مسؤوليات حزبية ومهنية متدرجة، وصولاً إلى المؤسسة التشريعية، حيث استطاعت خيير ترسيخ حضورها في العمل البرلماني، ثم تحقيق نتيجة انتخابية لافتة خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة.
وتنحدر الوزيرة الجديدة من مدينة قصبة تادلة، حيث ولدت في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ونشأت في أسرة ارتبطت سياسيا بحزب الاستقلال. وبدأ اهتمامها بالعمل السياسي مبكراً، من خلال التحاقها بالشبيبة المدرسية الاستقلالية سنة 1992، قبل حصولها على شهادة البكالوريا سنة 1995، ثم انضمامها إلى الشبيبة الاستقلالية سنة 1997، لتواصل بعد ذلك مسارها داخل الهياكل المحلية والإقليمية للحزب.

وبموازاة نشاطها السياسي، حرصت خيير على استكمال تكوينها الأكاديمي في مجالات التجارة والمالية والتدبير، حيث تابعت دراستها العليا بالمدرسة العليا للتجارة بالدار البيضاء، وحصلت سنة 2001 على ماستر في التجارة الخارجية، قبل أن تعزز مسارها بشهادات جامعية أخرى، من بينها الدكتوراه في علوم التسيير، وهو التكوين الذي واكب انتقالها لاحقاً إلى مسؤوليات إدارية ومؤسساتية.
وعلى المستوى المهني، راكمت تجربة داخل المكتب الوطني للمطارات، حيث شغلت عدداً من المسؤوليات خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2008 و2017، قبل توليها منصب الكاتبة العامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني ما بين 2017 و2021، وهي تجربة أتاحت لها الاشتغال في محيط مؤسساتي يرتبط بالتكوين العالي والتخصصات التقنية وتدبير الموارد البشرية. كما ارتبط مسارها بعضوية منظمة المطارات الإفريقية خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2020.

ولم ينقطع حضور خيير داخل حزب الاستقلال خلال سنوات انشغالها بمسؤولياتها المهنية، إذ تدرجت في هياكله التنظيمية، وشغلت عضوية المكتب المحلي لمنظمة المرأة الاستقلالية ابتداءً من سنة 2007، قبل انتخابها عضوة باللجنة المركزية للحزب والمجلس الوطني، وصولاً إلى عضوية اللجنة التنفيذية سنة 2024، لتصبح ضمن الجهاز القيادي للحزب.
وشكلت الانتخابات التشريعية لسنة 2021 منعطفاً أساسياً في مسارها السياسي، بعدما تمكنت من ولوج مجلس النواب عبر اللائحة الجهوية لبني ملال خنيفرة، حيث انضمت إلى الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، وأصبحت عضوة بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية، التي تابعت من خلالها عدداً من الملفات المرتبطة بالسياسات المالية والاستثمار والتنمية الاقتصادية.
وخلال ولايتها البرلمانية الأولى، شاركت خيير في مناقشة عدد من النصوص التشريعية والملفات الاقتصادية، وتولت تقديم تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2024 خلال الجلسة العمومية المنعقدة في 14 نونبر 2023، كما ساهمت في أشغال المجموعة الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بالشؤون الإفريقية.

وامتد نشاطها البرلماني إلى الملفات الاجتماعية والتنموية بجهة بني ملال خنيفرة، حيث تظهر معطيات مجلس النواب تسجيل 152 سؤالاً برلمانياً باسمها خلال الولاية التشريعية 2021-2026، تناولت قضايا الصحة والتعليم والتشغيل والبنيات التحتية والنقل والخدمات الأساسية، مع تركيز ملحوظ على مطالب ساكنة الإقليم والجماعات القروية والجبلية.
ومن بين الملفات التي تابعتها خيير، وضعية المؤسسات الصحية بقصبة تادلة وبني ملال، والخصاص المسجل في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، إلى جانب قضايا الربط الطرقي والجوي، ودعم الفلاحين المتضررين من التقلبات المناخية، وتحسين فرص التشغيل بالمناطق القروية.
واللافت في مسار الوزيرة الجديدة أن قطاع التكوين المهني، الذي أصبحت مسؤولة عنه اليوم، سبق أن كان ضمن اهتماماتها الرقابية داخل البرلمان، إذ وجهت سؤالاً كتابياً بشأن محدودية الطاقة الاستيعابية لمركز التكوين المهني بقصبة تادلة، وما يترتب عنها من صعوبات أمام الشباب الراغبين في متابعة تكوينهم، خصوصاً المنحدرين من الجماعات القروية المجاورة.
كما أثارت إشكالية الخصاص في الأطر التكوينية وطول لوائح الانتظار ببعض التخصصات، وطالبت بتوسيع العرض التكويني، فضلاً عن توجيه سؤال آخر بشأن تمديد عمل القافلة المتنقلة للتكوين المهني بجماعة أغبالة، بهدف تمكين مزيد من شباب المناطق الجبلية من اكتساب مهارات تساعدهم على الاندماج في سوق الشغل.
وعززت الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026 موقع مديحة خيير داخل المشهد السياسي، بعدما انتقلت من التمثيلية عبر اللائحة الجهوية إلى خوض المنافسة المباشرة بالدائرة المحلية لبني ملال، حيث تصدرت النتائج بحصولها على 21 ألفاً و384 صوتاً، متقدمة على مرشح حزب الأصالة والمعاصرة هشام صابري، الذي حصل على 14 ألفاً و839 صوتاً.
ومثلت هذه النتيجة محطة بارزة في مسارها الانتخابي، بعدما تمكنت من تصدر دائرة محلية تشهد تنافساً بين عدد من الأحزاب والفاعلين السياسيين، وهو ما عزز موقعها داخل حزب الاستقلال، وأفضى إلى اختيارها، في الثامن من أكتوبر الجاري، رئيسة للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، خلفاً لعلال العمراوي.
وفي تصريحات صحفية أعقبت فوزها الانتخابي، ربطت خيير النتيجة التي حققتها بالعمل الميداني والتواصل المستمر مع المواطنين خلال السنوات الخمس الماضية، مشيرة إلى أن أنشطتها شملت 22 جماعة ترابية بإقليم بني ملال، وأن ثقة الناخبين ترتبط، في تقديرها، بالعمل والقرب من انشغالات الساكنة، بعيداً عن الاعتبارات المرتبطة بجنس المرشح أو الانتماءات المحلية.

غير أن انتقالها إلى رئاسة الفريق البرلماني لم يستمر سوى أيام قليلة قبل الإعلان عن تعيينها في الحكومة الجديدة، لتنتقل من موقع المشاركة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي إلى موقع المسؤولية التنفيذية، في قطاع يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتشغيل وتأهيل الموارد البشرية والاستجابة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وتتولى خيير مسؤوليتها الجديدة تحت إشراف وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، نبيل بنعبد الله، في مرحلة يواجه فيها قطاع التكوين المهني تحديات تتعلق بتطوير جودة التكوينات، وملاءمتها مع حاجيات سوق الشغل، وتوسيع ولوج الشباب إلى التخصصات المهنية، وتقليص الفوارق المجالية في توزيع المؤسسات والتجهيزات والموارد البشرية.
ويمنحها مسارها السابق، الذي جمع بين التدبير الإداري داخل مؤسسة للتكوين في قطاع الطيران المدني، والعمل البرلماني داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، تجربة في التعامل مع الملفات المؤسساتية والمالية والتكوينية، غير أن المسؤولية الحكومية تضع هذه التجربة أمام اختبار مختلف، يرتبط بالقدرة على تحويل التوجهات والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس.
وهكذا، تفتح مديحة خيير صفحة جديدة من مسار بدأ من قصبة تادلة، ومر عبر العمل الحزبي والإدارة العمومية والبرلمان، قبل أن يصل إلى الحكومة في 16 أكتوبر 2026، لتصبح أمام مسؤولية تدبير قطاع استراتيجي تتقاطع فيه رهانات التعليم والتأهيل والتشغيل، ويشكل تطويره أحد المداخل الأساسية لتعزيز كفاءات الشباب ورفع قدرتهم على الاندماج الاقتصادي والمهني





