رفع سن التوظيف في التعليم إلى 40 سنة.. هل تواجه المدارس الخاصة نزيفاً للكفاءات وسط الموسم الدراسي؟

بشرى عطوشي
يفتح قرار رفع السن الأقصى لاجتياز مباريات ولوج مهنة التدريس في القطاع العمومي إلى 40 سنة نقاشاً جديداً حول تدبير الموارد البشرية داخل المنظومة التعليمية المغربية، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على مؤسسات التعليم الخصوصي، التي قد تجد نفسها أمام تحدي فقدان عدد من أطرها التربوية لفائدة القطاع العمومي، في توقيت يتزامن مع استمرار الموسم الدراسي.
فإذا كان القرار يمنح فرصة جديدة أمام فئة من حاملي الشهادات الذين تجاوزوا سن 35 سنة، ويعيد إدماجهم في دائرة المنافسة على مناصب التدريس، فإنه يطرح في المقابل إشكالية انتقال الكفاءات بين القطاعين، خصوصاً أن جزءاً من المستفيدين المحتملين راكموا سنوات من الخبرة المهنية داخل المدارس الخاصة، وأصبحوا يشكلون عنصراً أساسياً في استقرارها التربوي.
وتكمن حساسية هذا التحول في توقيت مباريات التوظيف، إذ إن التحاق الناجحين مستقبلاً بمؤسسات التعليم العمومي قد يدفع بعض الأساتذة إلى مغادرة مدارسهم الحالية قبل نهاية السنة الدراسية، وهو ما قد يضع إدارات المؤسسات الخصوصية أمام صعوبات في تعويض الأطر المغادرة وضمان استمرارية الحصص والبرامج التعليمية.
هشاشة الاستقرار المهني داخل جزء من قطاع التعليم الخصوصي
ولا تتوقف تداعيات هذا الاحتمال عند الجوانب الإدارية، بل تمتد إلى التلاميذ الذين اعتادوا على أساتذتهم منذ بداية الموسم، وإلى الاستقرار البيداغوجي الذي يتطلب استمرارية التأطير والتواصل داخل الفصل الدراسي. كما أن تعويض أستاذ راكم تجربة مع مجموعة من المتعلمين ليس إجراءً فورياً بالضرورة، بالنظر إلى الوقت الذي يحتاجه الأستاذ الجديد للتعرف على مستوى التلاميذ واستيعاب تقدمهم في المقررات.
ويعيد هذا الوضع تسليط الضوء على هشاشة الاستقرار المهني داخل جزء من قطاع التعليم الخصوصي، حيث تظل جاذبية القطاع العمومي مرتبطة لدى عدد من الأطر بعوامل تتجاوز الأجر، لتشمل الاستقرار الوظيفي، والحقوق الاجتماعية، وآفاق المسار المهني والتقاعد. وهو ما يجعل رفع سقف السن إلى 40 سنة فرصة إضافية قد تدفع بعض الكفاءات إلى إعادة ترتيب اختياراتها المهنية.
في المقابل، تجد المؤسسات التعليمية الخاصة نفسها مطالبة بمراجعة سياساتها في تدبير الموارد البشرية، لأن الاحتفاظ بالأطر التربوية لم يعد ممكناً بالاعتماد على توفر مناصب الشغل وحده، بل يستدعي تحسين الأجور وظروف العمل، وتوفير الحماية الاجتماعية، وإرساء مسارات مهنية واضحة تضمن للأستاذ الشعور بالاستقرار والتقدير.
ويطرح هذا المستجد أيضاً مسؤولية وزارة التربية الوطنية في استحضار انعكاسات انتقال الأطر بين القطاعين عند تدبير عمليات التوظيف والالتحاق بالمناصب، بما يضمن احترام حق المترشحين في تحسين وضعيتهم المهنية، دون إغفال مصلحة التلاميذ واستمرارية الدراسة داخل المؤسسات التي يعملون بها.
بناء منظومة تعليمية متكاملة باستقطاب الكفاءات
إن الإشكال المطروح لا يتعلق بالمفاضلة بين التعليم العمومي والخصوصي، ولا بالحد من فرص الأساتذة في الارتقاء المهني، وإنما بضرورة بناء منظومة تعليمية متكاملة لا يؤدي فيها استقطاب الكفاءات من قطاع إلى إرباك القطاع الآخر. فالمؤسسات الخصوصية تساهم بدورها في استيعاب الموارد البشرية وتوفير خدمات تعليمية لآلاف الأسر، واستقرارها التربوي يظل جزءاً من استقرار المنظومة الوطنية ككل.
وبين توسيع فرص التوظيف أمام حاملي الشهادات، واحتمال انتقال أطر تربوية متمرسة من المدارس الخاصة إلى القطاع العمومي، يبرز سؤال جوهري حول مدى استعداد المنظومة التعليمية لتدبير هذا التحول، خصوصاً إذا تزامنت مغادرة الأساتذة مع فترة حساسة من الموسم الدراسي.
فنجاح سياسة التوظيف لا يقاس فقط بعدد المناصب المحدثة أو حجم الإقبال على المباريات، بل كذلك بقدرة المنظومة على تدبير مواردها البشرية بشكل متوازن، والحفاظ على استقرار الفصول الدراسية، وضمان استمرارية التعلم دون أن تتحول فرص تحسين الوضع المهني لفئة من الأساتذة إلى مصدر اضطراب بالنسبة إلى مؤسسات وتلاميذ يعتمدون على خبرتهم وكفاءتهم.





