المسيرة الخضراء والهوية المغربية.. من ترسيخ الوحدة الوطنية إلى تمكين المجتمع الحساني من صناعة التنمية

بشرى عطوشي
لا يمكن اختزال المسيرة الخضراء في حدث تاريخي ارتبط باسترجاع الأقاليم الصحراوية، بل يمكن تناولها باعتبارها محطة مفصلية في مسار ترسيخ الهوية المغربية الجامعة، التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين روافد ثقافية وحضارية متعددة، كان للمجال الصحراوي والحضارة الحسانية فيها حضور تاريخي بارز.
فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد تعبير عن ارتباط جغرافي، بل حملت أيضاً دلالة رمزية تتعلق باستمرار الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية بين شمال المغرب وجنوبه، وهي روابط ساهمت في تشكيل الشخصية المغربية بمكوناتها العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية.
وتبرز أهمية هذا الامتداد في كون الحضارة الحسانية ليست مكوناً هامشياً أو طارئاً على الهوية المغربية، بل هي إحدى لبناتها التاريخية، بما راكمته من رصيد ديني ولغوي وأدبي وتجاري واجتماعي، وبما اضطلعت به القبائل الصحراوية من أدوار في التواصل بين المغرب وعمقه الإفريقي، خصوصاً مناطق الساحل والصحراء.
الحضارة الحسانية.. ذاكرة دينية وتجارية وإفريقية
لقد شكل المجال الحساني، عبر امتداده الجغرافي، فضاءً للتواصل الحضاري بين المغرب وبلدان جنوب الصحراء. ولم تقتصر أدواره على الرعي والتجارة العابرة، بل امتدت إلى نشر المعرفة الدينية والفقهية، وتداول المخطوطات، وتكوين العلماء والفقهاء، وإقامة شبكات للتواصل بين الحواضر والقبائل ومراكز التجارة الصحراوية.
وساهمت القوافل التجارية في ربط المغرب بموريتانيا وبلدان الساحل الإفريقي، من خلال تبادل السلع والمعارف والثقافات، وهو ما جعل المجتمع الحساني جزءاً من تاريخ التفاعل المغربي الإفريقي، وليس مجرد امتداد جغرافي للمجال الصحراوي.
ومن هنا، فإن الحفاظ على الحضارة الحسانية يعني الحفاظ على جزء من الذاكرة المغربية الإفريقية، بما تتضمنه من لغة وأدب وشعر وموسيقى وعادات وتقاليد وعلوم دينية.
المسيرة الخضراء.. من التعبئة الوطنية إلى مسؤولية التنمية
بعد مرور أكثر من خمسة عقود على المسيرة الخضراء، لم يعد استحضار ذكراها مرتبطاً فقط بأحداث سنة 1975، وإنما أصبح من الممكن طرح سؤال أعمق حول ما ينبغي أن تحمله هذه الذكرى من مضامين تنموية وثقافية واجتماعية للأجيال الحالية.
فإذا كانت المسيرة الخضراء قد جسدت تعبئة وطنية واسعة، فإن استمرار أثرها في المجتمع الصحراوي يقتضي ترجمة قيم التضامن والانتماء إلى فرص حقيقية تمكن المواطن الصحراوي من المساهمة في بناء مجتمعه وتطويره بقدراته ومبادراته.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم التنمية الموجهة نحو المواطن إلى مفهوم التنمية التي يكون المواطن نفسه فاعلاً رئيسياً فيها؛ أي أن يصبح أبناء المنطقة شركاء في تحديد الأولويات، وصناعة المشاريع، وتدبير الموارد، وخلق الثروة، والحفاظ على الموروث الثقافي.
ولا يمكن أن تتحقق هذه المعادلة دون الاستثمار في الكفاءات المحلية، ودعم المقاولات والتعاونيات، وتشجيع المبادرات الشبابية والنسائية، وتطوير التعليم والتكوين المهني، وربط الاستثمار الاقتصادي بالخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمجتمع الحساني.
الثقافة الحسانية رافعة للتنمية وليست مجرد تراث للاحتفال
من الضروري ألا يظل الاهتمام بالثقافة الحسانية محصوراً في المهرجانات والاحتفالات والمناسبات الرسمية، بل ينبغي أن يتحول إلى رافعة اقتصادية واجتماعية.
فالشعر الحساني، والمخطوطات، والصناعات التقليدية، والموسيقى، وفنون التعبير الشفهي، والمعارف المرتبطة بالمجال الصحراوي، كلها عناصر يمكن أن تشكل أساساً لصناعات ثقافية وسياحية وإبداعية يقودها أبناء المنطقة.
إن تثمين هذا الموروث يتطلب أيضاً تشجيع البحث الأكاديمي، وتوثيق الذاكرة الشفوية، وحماية المخطوطات، وإدماج الثقافة الحسانية في البرامج التعليمية والثقافية، بما يضمن انتقالها من جيل إلى آخر، ويمنح الشباب فرصة تحويلها إلى مجالات للإبداع والاستثمار.
المواطن الصحراوي.. شريك في صناعة المستقبل
إن الرهان الحقيقي على استمرارية الأثر الحضاري للمسيرة الخضراء يمر عبر تمكين المواطن الصحراوي من امتلاك أدوات التنمية، وليس الاكتفاء باستفادته من المشاريع العمومية.
فالمجتمع الذي ينتج المعرفة ويحافظ على لغته وتراثه، ويخلق فرص العمل لأبنائه، ويشجع أبناءه على الاستثمار في محيطهم، هو مجتمع يساهم بنفسه في ضمان استمرارية هويته وتطويرها.
وهذا يطرح مسؤولية المؤسسات العمومية والمنتخبين والجامعات والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني في توفير البيئة التي تسمح بانتقال المبادرات المحلية من أفكار فردية إلى مشاريع منتجة، مع ضمان تكافؤ الفرص والشفافية في توزيع الإمكانات.
إن تمكين الكفاءات الصحراوية من قيادة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمنح التنمية بعداً أكثر استدامة، ويجعل المواطن شريكاً في اتخاذ القرار وصناعة النتائج، بدل أن يظل مجرد مستفيد من برامج ومخططات يتم إعدادها بعيداً عن احتياجاته وانتظاراته.
من وحدة الأرض إلى تمكين الإنسان
إن المسيرة الخضراء يمكن أن تُقرأ اليوم أيضاً باعتبارها مناسبة لإعادة طرح سؤال التنمية من زاوية الهوية والإنسان؛ فالوحدة الوطنية لا تستحضر الذاكرة التاريخية وحدها، بل تتعزز كذلك بقدرة المواطنين على صناعة مستقبلهم، والحفاظ على خصوصياتهم الحضارية، والمساهمة في بناء وطنهم.
فالحضارة الحسانية التي ساهمت في بناء جسور التواصل الديني والتجاري والثقافي بين المغرب وعمقه الإفريقي تستحق أن تكون حاضرة في مشاريع المستقبل، لا باعتبارها مجرد ذاكرة تستحضرها الأجيال، بل باعتبارها رصيداً حضارياً قادراً على إنتاج المعرفة والثروة والإبداع.
إن الوفاء لروح المسيرة الخضراء لا يقتصر على استحضار مسارها التاريخي، بل يمتد إلى جعل الإنسان الصحراوي محوراً للتنمية، والحضارة الحسانية رافعة للهوية الوطنية، والمجتمع المحلي شريكاً في صناعة المستقبل. فمن وحدة الأرض إلى تمكين الإنسان، ومن صيانة الذاكرة الحسانية إلى إنتاج التنمية، تتجدد معاني الانتماء الوطني وتتسع آفاقه أمام الأجيال القادمة.





