الانتخابات في إسبانيا .. الهجرة والسيادة وكرة القدم ساحة للعب المعارضة الإسبانية بورقتها

بشرى عطوشي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 29 نونبر، أصبحت قضايا الهجرة والسيادة وكرة القدم ساحاتٍ تسعى المعارضة من خلالها لاختبار مدى حزم بيدرو سانشيز في تعامله مع الرباط. وهكذا، يجد الجار الجنوبي نفسه في قلب معركةٍ يبقى الرهان الأساسي فيها هو الوصول إلى السلطة في مدريد.
ويُعد الجدل الدائر حول استضافة نهائي كأس العالم 2030 مثالاً صارخاً على ذلك؛ إذ يؤكد ألبرتو نونيز فيخو، رئيس “الحزب الشعبي”، أنه سيطالب بانسحاب إسبانيا من التنظيم المشترك في حال مُنح حق استضافة المباراة النهائية للمغرب. وبذلك، تتحول طموحات رياضية إلى شرط سياسي: إما استضافة النهائي، أو التشكيك في جدوى المشاركة في المشروع المشترك.
ومن حق إسبانيا تماماً الدفاع عن ملف ترشحها، كما يحق للمغرب الترويج لملفه الخاص. ويرغب بيدرو سانشيز أيضاً في أن يُقام النهائي على الأراضي الإسبانية. لذا، لا يكمن الخلاف في الهدف بحد ذاته، بل في الأسلوب المتبع: هل يكون عبر إقناع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أم عبر التهديد بالانسحاب من التنظيم؟ والجدير بالذكر أن الهيئة الدولية لم تعلن، حتى هذه اللحظة، عن قرارها النهائي.
وهذا الاختلاف جوهري؛ ففي إطار أي شراكة، لا يمكن لأحد الطرفين المنظِّمين أن يعتبر أن مكانته تتطلب إلغاء طموحات الطرف الآخر. فتصوير إقامة النهائي في المغرب على أنها “إهانة” لإسبانيا يعني فرض تراتبية بين الشريكين، حتى قبل صدور القرار الرياضي.
الحزم كورقة في الحملة الانتخابية
وهكذا، تنضم كرة القدم إلى ملفات أخرى، كالهجرة والخلافات الحدودية، لتصبح مادةً خصبةً للمعارضة؛ حيث تُستخدم للمقارنة بين سياسةٍ توصف بأنها “مهادنة” (من جانب الحكومة الحالية) وبين وعودٍ بانتهاج سياسة أكثر حزماً.
ويذهب حزب “فوكس” (Vox) بهذا المنطق إلى أبعد من ذلك، مقترحاً فرض قيودٍ تستهدف المواطنين المغاربة. في شهر سبتمبر، طالب حزب اليمين المتطرف برفض منح التأشيرات ما لم تعترف الرباط صراحةً بالسيادة الإسبانية على عدة أراضٍ تطالب بها المملكة. وهكذا، يجد المواطنون أنفسهم يتحملون تبعات خلافٍ بين دولتين، بغض النظر عن ظروفهم الشخصية.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين “الحزب الشعبي” (PP) وحزب “فوكس” (Vox)؛ فمواقفهما ومسؤولياتهما واستراتيجياتهما تختلف عن بعضها البعض. فقد صرّح فييخو، في الثالث من نوفمبر، برغبته في بناء علاقة مع المغرب قائمة على الولاء والحزم وحسن الجوار. وتتناقض هذه الرغبة المعلنة في التفاهم مع الإنذار الذي طُرح بعد بضعة أيام بشأن بطولة كأس العالم.
وهنا يكمن جوهر المشكلة في هذا التناقض: الوعد بالتعاون، بالتزامن مع تكثيف التصريحات التي من شأنها تقويض ظروف هذا التعاون.
المصالح المشتركة تصمد أمام الشعارات
تُسهم الحملات الانتخابية في تبسيط موازين القوى، بينما تفرض ممارسة الحكم تقييم عواقب هذه الموازين.
إن التبادلات التجارية، والشركات العاملة على ضفتي المضيق، وقطاعات النقل والسياحة، والروابط العائلية، تضفي على علاقات الجوار عمقاً لا يمكن اختزاله في السجالات السياسية. فأي تدهور طويل الأمد في العلاقات ستكون له تداعيات على الفئات الاقتصادية والسكان الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الصراعات الحزبية.
وينطبق الأمر ذاته على الجانب الأمني؛ فمنع عمليات التهريب، ومكافحة الشبكات الإجرامية، وإدارة حركات الهجرة، تتطلب وجود قنوات تواصل، وتبادلاً للمعلومات، وثقةً في العمل الميداني المشترك. ورغم أن الحزم قد يترافق مع هذا التعاون، إلا أنه يصبح ذا نتائج عكسية إذا تحول إلى نهجٍ يُعامل فيه الشريكُ دائماً كخصمٍ أو عدو.
وتبرز هذه التبعية المتبادلة بوضوح في سياق التحضير لكأس العالم 2030؛ إذ تشمل الاستعدادات أيضاً البرتغال، والمدن المضيفة، والمهنيين الذين يترقبون هذا الحدث. لذا، فإن ربط المشروع برمته بمسألة استضافة مباراة واحدة قد يعرض الطموح الوطني للانتقاد، باعتباره يقوض التزاماً جماعياً مشتركاً.
ما بعد صناديق الاقتراع: كيف ستكون العلاقة مع الرباط؟
إن الفوز في الانتخابات لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة؛ فممارسة السلطة قد تدفع نحو تبني نهجٍ أكثر براغماتية. ومع ذلك، تترك التصريحات الانتخابية أثراً؛ فهي تخلق توقعات لدى الناخبين، وقد تضيق هامش المناورة أمام القادة المستقبليين للتوصل إلى تسويات.
كما يطال هذا الخطر المغاربة المقيمين في إسبانيا؛ فعندما يتحول نقد الحكومة إلى تشكيكٍ في جنسيةٍ بعينها، يتحول النقاش الدبلوماسي إلى أداةٍ تغذي الوصم والتمييز. وهنا تقع على عاتق المسؤولين السياسيين مسؤولية الحفاظ على التمييز بين الأمرين.
ومن جانبها، تجد الرباط مصلحةً في الدفاع عن مواقفها دون الانجرار وراء وتيرة الاستفزازات الانتخابية. فجودة علاقات الجوار تُقاس بالقرارات المتخذة، وبالالتزام بالعهود، وبالقدرة على تسوية الخلافات.
إسبانيا هي من ستختار قادتها. لا ينبغي للمغرب أن يكون ثمنًا لتنافسهما. فبعد انتهاء الانتخابات، سيجد البلدان نفسيهما أمام المضيق ذاته، والمصالح ذاتها، وضرورة الحوار ذاتها.





