لقجع يضع “خارطة طريق” البام الاقتصادية أمام “الباطرونا” ويعد بإدماج الاقتصاد غير المهيكل

أميمة حدري
وضع فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الخطوط العريضة للتصور الاقتصادي الذي يقترحه الحزب خلال المرحلة المقبلة، وذلك في لقاء عمل جمع وفدا من قيادة “البام” بممثلي الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الخميس 10 شتنبر الجاري، حيث شكل الاقتصاد غير المهيكل، والاستثمار، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والتعليم، أبرز الملفات التي حضرت في النقاش.
وفي مقدمة الأولويات التي عرضها لقجع، برز ورش إدماج الاقتصاد غير المهيكل، الذي قال إنه سيعرف انطلاقة ابتداء من سنة 2027 بالتزامن مع إعداد قانون المالية، مؤكدا أن المقاربة المقترحة لا تستهدف بالأساس البحث عن موارد ضريبية جديدة، وإنما إدخال الأنشطة والفاعلين الاقتصاديين في إطار واضح وشفاف، بما يتيح لهم الاستفادة من آليات الدعم والتحفيز ومواصلة تطوير أنشطتهم.
وقدم القيادي في “البام” هذا الورش باعتباره جزءا من تصور أوسع يمتد إلى سنة 2030، مشيرا إلى إمكانية تقاسم هذا التصور مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، والاستفادة من تجارب دول تتقارب مع المغرب في مستويات التنمية ونجحت في الرفع من درجة تنظيم اقتصاداتها، خصوصا عبر توسيع الإدماج البنكي، وتعميم الأداء الإلكتروني، وتحديث طرق تدبير المعاملات الاقتصادية.
وفي حديثه عن دور القطاع الخاص، أكد لقجع أن المقاولة لا يمكن أن تكون خارج معادلة تنفيذ الالتزامات وتحقيق الأهداف الاقتصادية، معتبرا أن القطاع الخاص يشكل قاطرة أساسية لخلق الثروة وفرص الشغل، بينما يتعين على الدولة أن تركز على توفير شروط الاستثمار ومواكبة المقاولات بدل التعامل معها بمنطق شعبوي.
واستند لقجع في حديثه عن المكتسبات الاقتصادية والبنيات التحتية إلى مجموعة من الأرقام، مبرزا أن الاستثمار العمومي ارتفع بنحو 110 مليارات درهم، وأن شبكة الطرق السيارة وصلت إلى حوالي 1800 كيلومتر. كما وضع ضمن الرهانات المقبلة إنجاز محور يربط مراكش بالشمال مرورا بفاس، بما يسمح، وفق تصوره، بتعزيز الربط الاقتصادي والسياحي لفاس ومكناس وربطهما بمراكش وبالشمال.
ولم يغب النقل الجوي عن العرض، إذ أشار إلى أن حركة المسافرين بلغت نحو 36 مليون مسافر، متوقعا ارتفاعها بشكل كبير مع مشاريع تجديد المطارات والاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم.
وفي ملف الحماية الاجتماعية، اعتبر لقجع أن الانتقال إلى مرحلة أكثر شمولاً يفرض معالجة وضعية فئات مهنية يصعب إدماجها في نموذج واحد، خصوصاً الفلاحين والحرفيين والعاملين المؤقتين وأصحاب المهن التي تتسم بعدم استقرار الدخل أو طبيعة النشاط.
وأوضح أن حوالي سبعة ملايين شخص يستفيدون حاليا، فيما تتجاوز الفئات المعنية بهذا الورش هذا العدد، داعيا إلى حوار مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب والفدراليات المهنية لتحديد من ينبغي أن تتكفل الدولة بأداء اشتراكاته الاجتماعية، ومن يمتلك القدرة على تحمل مساهماته بنفسه.
واعتبر أن هذا الملف يحتاج إلى قدر من الوضوح والجرأة، خصوصاً في ظل وجود فئة تقارب الثلث لا تزال وضعيتها بحاجة إلى معالجة، بسبب طبيعة المهن أو تقلب المداخيل، رغم تأطير وضعية الأجراء المصرح بهم وفئات كانت تستفيد سابقا من نظام “راميد”.
وعلى المستوى المالي، قدم لقجع أرقاما حول حجم الموارد التي جرى تخصيصها لعدد من القطاعات، مشيرا إلى بلوغ الدعم الميزانياتي 280 مليار درهم، وارتفاع ميزانية الصحة من 19 إلى 40 مليار درهم، فيما انتقلت ميزانية التعليم من 58 إلى 97 مليار درهم.
غير أن ملف التعليم شكل إحدى أبرز نقاط العرض، بعدما ربط لقجع بين حجم الإنفاق العمومي والنتائج المحققة، مشيرا إلى أن المنظومة تكلف قرابة 100 مليار درهم سنويا، مقابل تسجيل نحو 300 ألف حالة انقطاع عن الدراسة، وهو ما اعتبره مدعاة لفتح نقاش جدي حول جودة النتائج ومردودية الإنفاق، خاصة مع وصول الكلفة إلى ما يقارب ست نقاط من الناتج الداخلي الإجمالي.
وفي السياق ذاته، توقف عند محدودية حضور القطاع الخاص في التعليم، مذكرا بأن إصلاحا سابقا كان يستهدف بلوغ حصة تبلغ 25 في المائة، بينما ظلت النسبة، بحسب الأرقام التي قدمها، في حدود 13 في المائة. داعيا إلى بحث أسباب ضعف الاستثمار الخاص في هذا المجال، والصعوبات التي تواجه المستثمرين، والتحفيزات الممكنة، فضلا عن القواعد التي ينبغي اعتمادها لتأطير الأسعار والرسوم.
وانتقد لقجع، من جهة أخرى، تضخم بعض حلقات الوساطة التجارية، معتبرا أن الاقتصاد لا يمكن أن يبنى على توسع الوسطاء على حساب المنتج والمستهلك، وأن الاستثمار وتحمل المخاطر ينبغي أن يشكلا أساس النشاط الاقتصادي.
واستحضر في هذا الصدد مثال المنتجات الفلاحية، متسائلا عن أسباب وصول السعر الذي يؤديه المستهلك إلى أربعة أو خمسة أضعاف السعر الذي يحصل عليه المنتج، قبل أن يقارن ذلك بمنتجات أخرى، مثل مشتقات الحليب والمشروبات الغازية، التي تمر عبر شبكات توزيع منظمة ولا تسجل الفوارق نفسها، وفق ما عرضه.
كما وضع لقجع مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي ضمن الملفات التي تستدعي المعالجة، مشيرا إلى أن معدل النشاط يبلغ نحو 69 في المائة لدى الرجال مقابل 19 في المائة لدى النساء، معتبرا أن استمرار هذه الفجوة يمثل تحديا اقتصاديا يتطلب تشخيص الأسباب والبحث عن حلول.
وفي الجانب الانتخابي، كشف القيادي في “البام” أن البرنامج الانتخابي الذي قدمه الحزب في 46 صفحة يستند إلى وثائق تفصيلية تقارب 1200 صفحة، وتتضمن عمليات محاكاة ونمذجة ودراسات معمقة. موضحا أن الحزب لم ينشر هذه الوثائق المتخصصة كاملة منذ البداية، قبل أن يعلن عن إرسالها خلال يومين أو ثلاثة إلى الأحزاب السياسية والاتحاد العام لمقاولات المغرب لفتح نقاش حول مضامينها وإمكانية تعديل بعض المقترحات أو تصحيحها.
ولم يفصل لقجع بين التصور الاقتصادي وملف التشغيل، إذ اعتبر أن وضعية الشباب تمثل أحد أبرز التحديات المطروحة، مشيرا إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والشغل، إلى جانب حوالي 300 ألف حالة انقطاع عن الدراسة سنويا، فيما يبلغ معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، وفق الأرقام التي قدمها، 27.2 في المائة.
وشدد في ختام عرضه على ضرورة التمييز بين الشغل والدخل، موضحا أن وجود مداخيل محدودة أو متقطعة لا يعني بالضرورة توفر صاحبها على عمل مستقر، وهو ما يجعل معالجة التشغيل والحماية الاجتماعية مرتبطة، بحسب تصوره، بفهم دقيق لطبيعة النشاط الاقتصادي ومصادر الدخل.





