ساري لـ”إعلام تيفي”: تحسين القدرة الشرائية رهين بضبط الأسعار ورفع الدخل الحقيقي للأسر

أميمة حدري 

اعتبر رشيد الساري، الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن أثر مشروع قانون المالية لسنة 2027 على القدرة الشرائية للمواطنين سيظل مرتبطا بمدى التحكم في التضخم وتطور الأسعار، إلى جانب قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص شغل جديدة ورفع المداخيل الحقيقية للأسر، مشددا على أن التدابير الاجتماعية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين.

وأوضح الساري، في تصريح لـ”إعلام تيفي”، أن المشروع يتضمن إجراءات تروم التخفيف من الضغط على القدرة الشرائية، من خلال مواصلة تمويل ورش الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، مع رفع الحد الأدنى للدعم من 500 درهم إلى 600 درهم، إلى جانب استمرار تمويل قطاعات الصحة والتعليم والسكن.

غير أن الخبير الاقتصادي ربط الأثر الفعلي لهذه التدابير بتطور الأسعار ومعدل التضخم خلال سنة 2027، ومدى اتخاذ إجراءات ناجعة لمراقبة أسعار المواد الفلاحية والغذائية، فضلا عن قدرة الاقتصاد على توفير مداخيل إضافية وفرص عمل جديدة للأسر.

وأشار المتحدث إلى أن استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والخدمات الأساسية بوتيرة تفوق نمو الأجور من شأنه أن يحد من الأثر الاجتماعي للتدابير المقررة، مبرزا أن تحسين القدرة الشرائية لا يتحقق بالدعم المالي وحده، بل يستلزم الرفع من الدخل الحقيقي للمواطنين وضمان استقرار الأسعار.

وبخصوص التوازن بين تمويل الدولة الاجتماعية ومواصلة الاستثمار العمومي، سجل الساري أن الحكومة تواجه تحديا يتمثل في الجمع بين الاستجابة للحاجيات الاجتماعية الملحة والحفاظ على وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، لافتا إلى ارتفاع الميزانية المرصودة للاستثمار من 380 مليار درهم إلى 400 مليار درهم.

واعتبر أن الجمع بين الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي يمثل توجها مهما من حيث المبدأ، لأن الاقتصار على النفقات الاجتماعية قد يساهم في معالجة بعض الصعوبات الآنية دون توفير شروط خلق الثروة مستقبلا، في حين أن التركيز على الاستثمار وحده قد يؤجل الاستجابة لعدد من الحاجيات الاجتماعية.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن التحدي الأساسي لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، بل كذلك بمدى نجاعة الإنفاق العمومي وجودة الحكامة في تدبير الموارد، مؤكدا أن تقييم السياسات العمومية ينبغي أن يستند إلى نتائج ملموسة على مستوى الخدمات الصحية، وجودة المدرسة العمومية، وتوفير فرص الشغل، وتكلفة النقل والسكن والمعيش اليومي.

وفي ما يتعلق بالتشغيل، اعتبر الساري أن الحد من البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، يظل من أبرز الاختبارات المطروحة أمام مشروع قانون المالية لسنة 2027، في ظل التوجه نحو مواصلة تفعيل ميثاق الاستثمار الجديد وتحفيز المقاولات والاستثمارات الإنتاجية.

وأوضح أن التجارب السابقة أظهرت أن الحوافز المالية والإعفاءات الجبائية لا تؤدي تلقائيا إلى إحداث مناصب شغل مستدامة، ما يستدعي توجيه الاستثمارات نحو قطاعات منتجة قادرة على خلق قيمة مضافة مرتفعة وتوفير فرص عمل قارة.

وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أهمية دعم الصناعات التحويلية والاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة واللوجستيك والسياحة ذات القيمة المضافة، معتبرا أن نجاح هذه التوجهات يظل مرتبطا بقدرة القطاع الخاص على الاستثمار، ومدى ملاءمة التكوين مع الحاجيات الفعلية لسوق الشغل.

وعلى مستوى الفرضيات الاقتصادية التي يستند إليها المشروع، توقف الساري عند هدف تحقيق نمو اقتصادي في حدود 3.7 في المائة، موضحا أن بلوغ هذا المستوى يظل رهينا بتحقيق موسم فلاحي متوسط، واستمرار دينامية القطاعات الصناعية المصدرة، وارتفاع وتيرة الاستثمارين العمومي والخاص، إلى جانب توفر قدر من الاستقرار في الظرفية الاقتصادية الدولية.

وطرح الخبير الاقتصادي تساؤلات بشأن مدى كفاية هذا المعدل لتحقيق مستويات النمو وخلق الثروة ومناصب الشغل التي يتطلع إليها الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التزام البرنامج الحكومي بتحقيق نمو سنوي يبلغ 5 في المائة، وهو ما يبرز فارقا بين الهدف المعلن في البرنامج والفرضية المعتمدة في مشروع قانون المالية لسنة 2027.

أما بخصوص حصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، فأوضح الساري أن بلوغ هذا الهدف، بالتوازي مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، يقتضي تحسين المداخيل الجبائية وتوسيع الوعاء الضريبي، وضبط النفقات غير المنتجة، فضلا عن تعزيز مردودية المؤسسات والمنشآت العمومية.

وسجل المتحدث أن إمكانية تحقيق هذه الأهداف تظل قائمة، لكنها ليست مضمونة في ظل التقلبات الخارجية والإكراهات المناخية، مشيرا إلى أن التوترات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن حالة عدم اليقين المرتبطة بالموسم الفلاحي، قد تؤثر في الفرضيات الاقتصادية المعتمدة وتنعكس على التوازنات المالية.

وخلص الساري إلى أن نجاح مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المخصصة للقطاعات الاجتماعية والاستثمارية، أو بالمؤشرات المرتبطة بالنمو والعجز، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل هذه الموارد إلى نتائج ملموسة، سواء من خلال تحسين القدرة الشرائية، أو توفير فرص الشغل، أو الارتقاء بجودة الخدمات الأساسية، بما ينعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى