وفرة الزيتون في المغرب.. أين تدخل الجهات الوصية لإنقاذ الفلاح وتنظيم موسم الجني؟

بشرى عطوشي

يواجه الفلاح المغربي، خلال الموسم الفلاحي 2026، مفارقة اقتصادية تضعه أمام معادلة صعبة؛ فبعد موسم اتسم بوفرة محصول الزيتون، وجد نفسه محاصراً بين ارتفاع تكاليف اليد العاملة المخصصة للجني، وتراجع أسعار بيع المنتوج، في وضع يهدد بتحويل موسم كان يفترض أن يكون استثنائياً إلى عبء مالي إضافي على المنتجين، خصوصاً صغار الفلاحين.

فوفرة الإنتاج، رغم أهميتها للأمن الغذائي والاقتصاد الفلاحي الوطني، لا تعني بالضرورة تحقيق أرباح للفلاح، ما دامت تكاليف جمع المحصول ونقله وتسويقه ترتفع بوتيرة لا تتناسب مع أسعار البيع.

وتزداد خطورة الوضع عندما يصبح الفلاح عاجزاً عن توفير العمال والمعدات اللازمة في الوقت المناسب، أو يجد نفسه مضطراً إلى بيع محصوله بأثمان منخفضة تفادياً لخسائر أكبر نتيجة تأخر الجني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة هو: أين توجد الجهات المختصة من تدبير هذه الوفرة؟ وأين هي التعبئة الميدانية للمؤسسات التابعة لوزارة الفلاحة، والمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي، والمديريات الإقليمية، ومراكز الاستشارة الفلاحية، من أجل مواكبة المنتجين وتنظيم عملية الجني والتسويق؟

إن تدبير موسم وفير من الزيتون لا ينبغي أن يترك لاجتهادات الفلاحين الفردية، ولا أن يختزل في تقديم التوجيهات التقنية المرتبطة بالإنتاج، بل يستدعي تدخلاً مؤسساتياً ميدانياً يواكب مختلف مراحل الموسم، بدءاً من الجني وصولاً إلى التحويل والتخزين والتسويق.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة إطلاق تعبئة محلية وإقليمية عاجلة، عبر مراكز الاستشارة الفلاحية، لتحديد حاجيات المناطق المنتجة من اليد العاملة والمعدات، وربط الفلاحين بالتعاونيات والخدمات المتاحة، مع وضع برامج عملية لتنسيق عمليات الجني وتفادي ضياع المحصول أو تأخر جمعه.

كما أن من مسؤولية الجهات الوصية العمل على توفير آليات الجني الحديثة ووضعها رهن إشارة الفلاحين، خصوصاً صغار المنتجين، سواء عن طريق الكراء المدعم أو إحداث مراكز محلية للخدمات الميكانيكية المشتركة، بما يسمح بتقليص كلفة الجني والحد من الاعتماد الحصري على اليد العاملة التي تعرف ارتفاعاً في الطلب خلال هذه الفترة.

ومن الضروري أيضاً إعطاء دفعة قوية للتعاونيات الفلاحية، ليس فقط من خلال الدعم المالي، وإنما عبر تمكينها من المعدات ووسائل النقل والتخزين والتجميع، ومساعدتها على التفاوض الجماعي مع المعاصر ووحدات التحويل والتجار. فالتعاونيات القوية والمنظمة قادرة على حماية المنتج الصغير من ضغط الوسطاء، وتحسين شروط تسويق محصوله.

وتتحمل الجهات المختصة كذلك مسؤولية تحريك وحدات التحويل والتثمين، وتشجيع المعاصر على العمل وفق برامج تستوعب وفرة الإنتاج، مع دراسة إمكانيات إحداث فضاءات للتجميع والتخزين الملائم، وتوجيه الفائض نحو تصنيع زيت الزيتون ومشتقاته، بدل ترك السوق رهينة اختلالات العرض والطلب خلال فترة قصيرة من السنة.

ولا ينبغي أن يتوقف التدخل عند حدود الفلاحين والضيعات، بل يتعين التفكير في تعبئة وطنية للاستفادة من هذا الموسم، من خلال تشجيع المؤسسات التعاونية وشركات التحويل والتوزيع على اقتناء المنتوج المحلي، وتطوير قنوات تسويقية وطنية، ودراسة فرص توجيه الفائض نحو التصدير وفق الضوابط والمعايير المعمول بها، بما يحافظ على توازن السوق الداخلية ويعزز القيمة المضافة الوطنية.

كما يطرح الموسم الحالي ضرورة التفكير في إحداث آلية جهوية لتتبع أسعار الزيتون وتكاليف الجني، ونشر معطيات منتظمة وشفافة حول الأسعار المتداولة، حتى لا يبقى الفلاح الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج والتسويق، دون معلومات كافية تساعده على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة.

إن المسؤولية هنا لا تقع على الفلاح وحده، لأنه قام بدوره في العناية بالأشجار وتحمل تكاليف الإنتاج وانتظار موسم الحصاد، وإنما تمتد إلى المؤسسات المكلفة بالتأطير والمواكبة والتنمية الفلاحية، المطالبة بالانتقال من التدبير الإداري المعتاد إلى التدخل الميداني الاستباقي، خاصة عندما يتعلق الأمر بموسم يحمل إمكانيات إنتاجية كبيرة.

فإذا كانت وفرة الزيتون مكسباً وطنياً، فإن ترك الفلاح يواجه بمفرده غلاء الجني وانخفاض الأسعار يمثل هدراً لجزء من هذه الفرصة.

والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإحصاء المحصول والاحتفاء بمؤشرات الإنتاج، بل تعبئة الآليات والموارد البشرية والمؤسساتية لتحويل الوفرة إلى دخل عادل للمنتج، وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ومخزون استراتيجي يعزز الأمن الغذائي للمغاربة.

فمن غير المقبول أن تكون الأشجار مثقلة بالزيتون، بينما يظل الفلاح مثقلاً بالتكاليف، وتبقى المؤسسات المعنية خارج دائرة التعبئة المطلوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى