ازدواجية السلطة والمال من برلوسكوني إلى أخنوش.. كيف تأزمت الممارسة السياسية؟

ياسر الرقاص

تظهر تقارير وتجارب مقارنة في العلوم السياسية أن تولي رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين المقاليد التنفيذية غالبا ما يرافقه تحديات واختلالات في الممارسة السياسية؛ حيث أدى انتقال عقلية “الربحية والتنسيق المحاسبي” إلى إدارة الشأن العام إلى بروز أزمات في الشفافية، وتعميق الاحتقان الاجتماعي، وتصاعد الجدل حول تضارب المصالح عبر تجارب دولية ومحلية متعددة.

ويعزو فقهاء التحليل السياسي هذا التأزم الهيكلي إلى نقل آليات القطاع الخاص المعتمدة على تعظيم الأرباح وخفض التكاليف ونظام اتخاذ القرار العمودي السريع إلى منظومة إدارة الدولة، التي تتطلب بالأساس مرونة توافقية وحماية اجتماعية وتأمينا للخدمات العامة غير الخاضعة للحسابات الربحية.

ويشكل تداخل الموقع الحكومي مع الملكيات الاستثمارية المعضلة الأبرز في الممارسة الديمقراطية، نظراً لما يثيره من شكوك حول محاباة التشريعات السيادية والسياسات العمومية لقطاعات أعمال بعينها، مما يؤثر على ثقة المواطنين في المنظومة المؤسساتية.

وتتوزع نماذج هذه الإشكالية عبر عدة محطات دولية، حيث تعكس مساراتها انعكاس تداخل المال والحكم على استقرار الممارسة السياسية أبرزها تجربة إيطاليا التي سلمت مفاتيح سلطتها للطبقة المخملية.

“سيلفيو برلوسكوني” شكل النموذج الدولي الأبرز لقيادة رجل أعمال للحكومة؛ إذ ترافق توليه رئاسة الوزراء مع استغلال نفوذه الإعلامي والاستثماري لسن قوانين مثيرة للجدل عرفت بـ “القوانين المفصلة” لحماية مصالحه الخاصة من الملاحقات القضائية، مما أربك المنظومة التشغيلية للقضاء وأسهم في تفاقم أزمة الديون الوطنية لبلاده عام 2011.

كذلك الأمر بالنسبة للتجربة الأمريكية إذ نجد “دونالد ترامب” الذي أدخل عقلية “إدارة الشركات والصفقة العقارية” إلى البيت الأبيض، حيث ركزت سياسته الاقتصادية على خفض الضرائب عن الشركات الكبرى وتخفيف القيود البيئية والتنظيمية على قطاع الأعمال، مع مراجعة المعاهدات الدولية بمنطق الربح والخسران التجاري، وأدى هذا النهج إلى تصاعد الجدل المؤسساتي والشفافية بشأن استثماراته الخاصة، إلى جانب إحداث استقطاب اجتماعي واقتصادي واسع.

وغير بعيد عن ترامب شكل النموذج التايلاندي في شخص “تاكسين شيناواترا” الذي أدار الحكومة برؤية “المقاولة الكبرى”، وتسببت صفقاته المعفاة من الضرائب وسياساته التفضيلية لمجموعته في مجال الاتصالات في احتجاجات شعبية وانقسام سياسي حاد استمر سنوات.

وفي نفس السياق إعتمد سيباستيان بينير عن دولة التشيلي سياسات خفض الدعم وتعامل مع قطاعي التعليم والصحة بمنطق اقتصادي محتسب، ما أفضى إلى اندلاع انتفاضة اجتماعية عام 2019 ضد الارتفاع المتزايد لتكاليف المعيشة.

وعن السياق المغربي برز إسم عزيز أخنوش الذي زاوج بين رئاسة السلطة التنفيذية والملكية الاستثمارية في قطاعات حيوية (المحروقات والطاقة)، إذ واجهت حكومته انتقادات تحليلية وسياسية متواصلة تتعلق بتصاعد التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وسط جدل دائم حول نجاعة التعاطي التكنوقراطي المحاسبي مع الأزمات الاجتماعية، ومسألة الفصل بين المسؤولية العمومية والمصالح التجارية الخاصة.

ويرى الباحثون في الشأن السياسي أن الفاعلين القادمين من عالم الاستثمار يواجهون صعوبة في تبني “الشرعية التفاوضية” المرنة القائمة على بناء التوافقات مع النقابات والأحزاب والمجتمع المدني، حيث يميلون إلى اتخاذ قرارات إدارية جافة تعامل مطالب المواطنين كـ “عراقيل تشغيلية”، مما يقطع قنوات الحوار السياسي ويفاقم الاحتقان الشعبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى