الأقاليم الجنوبية : 11 سنة من التنمية في أفق تحقيق الطموحات الأطلسية للمملكة المغربية (ملف)

ملف: بشرى عطوشي
بعد مرور أحد عشر عاماً على إطلاق “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية”، بدأت التحولات التي تشهدها الجهات الثلاث تكتسب أبعاداً جديدة؛ إذ تعكس البنية التحتية، والقطاع الصناعي، والطاقة، والمرافق العامة، حجم الاستثمارات التي تم إنجازها. وبمناسبة الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، خصصنا ملفاً خاصاً حول التحولات الاقتصادية في الصحراء المغربية، والآفاق التي تفتحها المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها.
في السادس من نوفمبر 2015، ومن مدينة العيون، أطلق الملك محمد السادس “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية”. وبعد مرور أحد عشر عاماً، شهد المشهد الاقتصادي في هذه المناطق تطوراً ملموساً؛ حيث واكبت مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتنمية الأنشطة الإنتاجية، وتعزيز المرافق العامة، تحولاً يندرج الآن ضمن الطموحات الأطلسية للمملكة.
وتُعد الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، وميناء “الداخلة الأطلسي” المستقبلي، من أبرز المشاريع التي تجسد هذا الزخم. وإلى جانب تحسين الربط الترابي، تفتح هذه البنى التحتية آفاقاً جديدة للتبادل التجاري، والخدمات اللوجستية، وتوطين الأنشطة الاقتصادية. كما أنها تترجم عملياً الرغبة في جعل الواجهة الأطلسية للصحراء المغربية فضاءً للانفتاح على الأسواق الأفريقية. وينعكس هذا التطور بوضوح في الأداء الاقتصادي لهذه الجهات.
ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، سجلت جهات “كلميم-واد نون”، و”العيون-الساقية الحمراء”، و”الداخلة-وادي الذهب” -خلال عام 2024- معدلات نمو تفوق المتوسط الوطني. ومع ذلك، ورغم هذا الزخم المشترك، تتميز كل جهة من الجهات الثلاث بخصائص اقتصادية فريدة، تتنوع ما بين الخدمات، والصناعة، والأنشطة البحرية، والزراعة، والسياحة.

كما يشكل تطوير القطاعات الإنتاجية جانباً مهماً آخر من جوانب هذا التحول. بدءاً من تثمين المنتجات البحرية وصولاً إلى صناعة الفوسفات، مروراً بقطاع الطاقات المتجددة، تساهم الاستثمارات في توسيع القاعدة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية وتعزيز قدراتها الإنتاجية. كما يتواصل هذا الزخم على مستوى المرافق الاجتماعية؛ إذ يواصل البرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029 جهود الاستثمار في البنيات التحتية الاقتصادية، وقطاعات الصحة والتعليم العالي والمياه، وهي مجالات تعد ركائز أساسية لمواكبة النمو على المستوى الإقليمي.
ومن خلال هذا الملف،نسلط الضوء على المكونات الرئيسية لهذا التطور، بدءاً من الربط الترابي الجديد والانفتاح على الواجهة الأطلسية، وتنامي قوة القطاعات الإنتاجية، وصولاً إلى الخصوصيات الاقتصادية للجهات الثلاث والاستثمارات التي تمهد الطريق للمراحل القادمة من تنميتها. وهكذا، وبعد مرور واحد وخمسين عاماً على “المسيرة الخضراء”، باتت الأقاليم الجنوبية تحتل مكانة متنامية ضمن الآفاق الاقتصادية للمملكة؛ وهو تطور يعكس حجم الإنجازات المحققة منذ عام 2015، ويبرز أهمية المشاريع التي تم إطلاقها للسنوات المقبلة.
الأقاليم الجنوبية: جغرافية جديدة للنمو
بدءاً من الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، ووصولاً إلى ميناء “الداخلة الأطلسي” المستقبلي، مروراً بالاستثمارات في قطاع الطاقة وتنامي الأنشطة الإنتاجية؛ تكتسب الأقاليم الجنوبية مكانةً جديدة ضمن الهيكلية الاقتصادية للمملكة. وتؤكد الحسابات الجهوية الأخيرة، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، دينامية النمو التي تشهدها هذه المناطق. وهو تحولٌ جاء ثمرةً لعقدٍ من المشاريع الكبرى، ويندرج اليوم ضمن رؤيةٍ أطلسية تربط تنمية الصحراء المغربية بآفاق الاندماج الاقتصادي الأفريقي.
طريقٌ يمتد على طول 1055 كيلومتراً، وميناءٌ جديدٌ تتجاوز استثماراته 15 مليار درهم، ومناطق تسجل معدلات نمو تفوق المتوسط الوطني، وواجهةٌ أطلسيةٌ مرشحةٌ للعب دورٍ متزايد الأهمية في المبادلات الأفريقية؛ هذه العناصر، وإن نُظر إليها بشكلٍ منفصل، تعكس جوانب متعددة من مسار التنمية في الأقاليم الجنوبية. أما عند وضعها في سياقها الشامل، فهي تكشف عن تحولٍ ذي أبعادٍ أوسع: تحولُ منطقةٍ تكتسب تدريجياً وظيفةً جديدةً ضمن الجغرافية الاقتصادية للمغرب.

وبمناسبة الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، يستحق هذا التطور وقفةً تتجاوز مجرد سرد الإنجازات التقليدية؛ فالدينامية القائمة لم تعد تقتصر على تجهيز الأقاليم بالبنيات التحتية فحسب، بل باتت ترتكز على التكامل بين شبكات النقل، والقدرات اللوجستية، والموارد الطاقية، والأنشطة الإنتاجية.
رؤية ملكية ومسار تنموي ..في أفق جعل أقاليم الجنوب منصة اقتصادية هامة
وتستمد هذه التوجهات أسسها من “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية” الذي أُطلق عام 2015، كما اكتسبت بُعداً إضافياً منذ الخطاب الملكي في 6 نوفمبر 2023، الذي خصص حيزاً مهماً للتوجه الأطلسي للمملكة. وتتمثل الرؤية هنا في مسارين متكاملين: تعزيز الروابط الاقتصادية بين مختلف جهات المملكة، ودمج الواجهة الأطلسية الجنوبية ضمن فضاءٍ أوسع للتبادل، منفتحٍ على القارة الأفريقية. 2015-2026: عقدٌ زمني يُحدث تحولاً في شبكات الربط
شكّل “النموذج التنموي الجديد” للأقاليم الجنوبية منعطفاً في سياسة تهيئة المجال الترابي. فإلى جانب الاستثمارات المخصصة للتجهيزات والمرافق العمومية، تم وضع برامج لمشاريع هيكلية تهدف إلى تعزيز القدرات الاقتصادية وشبكات الربط الإقليمية. ومن أبرز إنجازات هذا النموذج: الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة؛ وهو محور يمتد على طول 1055 كيلومتراً، وتطلب استثمارات قُدّرت بنحو 10 مليارات درهم.
وقد اكتملت الأشغال بالكامل، وفُتح الطريق أمام حركة السير منذ يناير 2025. ويتكون مسار الطريق من ثلاثة أقسام رئيسية: فبين تيزنيت وكلميم، تم تهيئة 114 كيلومتراً عبر تضاريس صعبة للغاية. ومن كلميم إلى العيون، يمتد المشروع على مسافة 441 كيلومتراً. أما المسافة الممتدة على طول 500 كيلومتر بين العيون والداخلة، فقد خضعت لأعمال توسعة وتقوية للطريق. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المحور لا يتكون بالكامل من طريق مزدوج (بمسارين في كل اتجاه)؛ إذ يظل القسم الرابط بين العيون والداخلة عبارة عن طريق مُوسَّع، يضم مساراً واحداً في كل اتجاه.

وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذه البنية التحتية في الربط المتواصل الذي توفره بين المناطق؛ فهي تُسهّل التنقل، وتُعزز الروابط بين المراكز الحضرية، وتُحسّن ظروف نقل البضائع. كما أكد القائمون على المشروع على توفير الوقت المتوقع للمركبات الخفيفة والشاحنات الثقيلة على حد سواء. وبالنسبة للأنشطة الزراعية، والصيد البحري، والتجارة، والخدمات اللوجستية، يُعدّ تقليل معوقات النقل عاملاً جوهرياً لتعزيز القدرة التنافسية. وبذلك، يتجاوز دور هذا الطريق السريع مجرد فك العزلة عن المناطق المعنية. تُشكّل هذه البنية التحتية حلقة وصل بين الأقطاب الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، ومراكز الاستهلاك الكبرى، ومنصات النقل في المملكة.
ميناء الداخلة الأطلسي: مشروع يرتقي إلى مستوى جديد
إذا كان الطريق السريع يُمثّل أحد الإنجازات الكبرى خلال العقد الأخير، فإن مشروع ميناء “الداخلة الأطلسي” المستقبلي يجسّد بُعداً آخر للاستراتيجية الاقتصادية. ويهدف المشروع إلى تزويد الواجهة الأطلسية الجنوبية بقدرات مينائية ولوجستية جديدة، من شأنها مواكبة التنمية الصناعية والتجارية في المنطقة.
ووفقاً لبيانات مشروع قانون المالية لعام 2027، بلغت التكلفة المُحيّنة لميناء الداخلة الأطلسي 15,06 مليار درهم، مقارنةً بالميزانية الأولية التي كانت تبلغ 13,61 مليار درهم؛ حيث يأخذ هذا التعديل في الاعتبار أعمال توسعة الميناء. وبحلول منتصف شهر سبتمبر 2026، بلغت نسبة الإنجاز المادي للمشروع 70%، في حين وصلت نسبة التنفيذ المالي (الميزاني) إلى 54%. وتجدر الإشارة هنا إلى الفرق بين هذين المؤشرين؛ فبينما يقيس الأول مدى تقدم الأشغال على أرض الواقع، يتعلق الثاني بالتنفيذ المالي للمشروع.

وعليه، فإن الميناء ليس جاهزاً للتشغيل بعد؛ غير أن مستوى تقدم الأشغال فيه يعكس تطور ورشٍ كبرى من شأنها أن تضطلع بدورٍ هيكليٍّ ضمن المنظومة اللوجستية الوطنية. ولا تقتصر أهميته الاقتصادية على النشاط البحري فحسب؛ إذ يمكن لميناءٍ بهذا الحجم أن يعزز تطوير خدمات النقل والتخزين والصيانة والتوزيع، كما يمكنه دعم توطين أنشطة صناعية مرتبطة بمعالجة المنتجات البحرية وقطاعات إنتاجية أخرى. ويكمن الرهان هنا في تحقيق التكامل والترابط بين البنية التحتية المينائية، ومناطق الأنشطة الاقتصادية، وشبكات الطرق، والقدرات الطاقية. ومن خلال هذا التكامل، تتضح المعالم الاقتصادية للمجمع المينائي المستقبلي.
الرؤية الأطلسية: امتدادٌ استراتيجي
أضفى الخطاب الملكي، الذي ألقي في 6 نوفمبر 2023، بُعداً جديداً على هذا الزخم؛ حيث أكد جلالة الملك محمد السادس على ضرورة تأهيل الشريط الساحلي الوطني، بما في ذلك الواجهة الأطلسية للصحراء المغربية. وقد أعرب جلالته، على وجه الخصوص، عن تطلعه لأن تتحول هذه المنطقة إلى “قطبٍ للاندماج الاقتصادي”. وتضع هذه التوجهات تنمية الأقاليم الجنوبية في أفقٍ يتجاوز النطاق الإقليمي الضيق؛ إذ يُنظر إلى المحيط الأطلسي كفضاءٍ للحركة والتعاون والتبادل، يربط المغرب بمحيطه الأفريقي وبالأسواق الدولية.
كما ركّز الخطاب الملكي على البنيات التحتية، ووسائل النقل، والمراكز اللوجستية، وتطوير اقتصادٍ بحريٍّ متكامل. وتستند هذه الرؤية إلى عدة ركائز متكاملة، تشمل: الصيد البحري، وتحلية مياه البحر، والطاقات المتجددة، والبنيات التحتية للنقل، وتثمين الإمكانات الاقتصادية للشريط الساحلي. وتترافق هذه الرؤية مع مبادرةٍ تهدف إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي. بالنسبة لهذه الدول، يمثل الوصول إلى المنافذ البحرية رهاناً يتعلق بالربط والمشاركة في التبادلات الدولية. أما بالنسبة للمغرب، فتفتح هذه المبادرة آفاقاً للتعاون الاقتصادي، والخدمات اللوجستية، وتطوير الممرات التجارية. وسيعتمد تجسيد هذا الطموح على إرساء الاتفاقيات وتوفير التجهيزات والخدمات اللازمة. ومع ذلك، فإن أهميتها الاستراتيجية باتت واضحة بالفعل؛ إذ تحتل الأقاليم الجنوبية موقعاً مركزياً في الرؤية المتعلقة بالروابط المستقبلية لأفريقيا عبر المحيط الأطلسي.
ثلاث جهات تتجاوز معدل النمو الوطني
يترافق هذا التحول المجالي مع دينامية اقتصادية ملموسة. فقد أظهرت الحسابات الجهوية لعام 2024، التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط في يوليو 2026، نمواً في الناتج المحلي الإجمالي (بالحجم) بنسبة 7.6% في جهة العيون-الساقية الحمراء، و7% في جهة الداخلة-وادي الذهب، و4.6% في جهة كلميم-وادي نون. وتتجاوز هذه المعدلات الثلاثة المتوسط الوطني البالغ 4.4%.
ووفقاً للمندوبية السامية للتخطيط، فقد كان نمو جهة العيون-الساقية الحمراء في عام 2024 مدفوعاً بشكل خاص بالخدمات غير التجارية وقطاع الصيد البحري. أما في جهة الداخلة-وادي الذهب، فقد استفاد النمو من دينامية قطاعي الصيد والبناء والأشغال العمومية، بينما حظيت جهة كلميم-وادي نون بدعم من الأنشطة الأولية والخدمات. وتعكس هذه التطورات مسارات اقتصادية متباينة، تستند إلى الخصائص الإنتاجية المميزة لكل جهة. كما يقدم مؤشر الناتج المحلي الإجمالي للفرد زاوية أخرى للتحليل. في عام 2024، بلغ هذا المؤشر 92,904 درهماً في جهة الداخلة-وادي الذهب، و73,718 درهماً في جهة العيون-الساقية الحمراء، و50,604 دراهم في جهة كلميم-وادي نون، مقارنة بمتوسط وطني قدره 43,891 درهماً. وينبغي تفسير هذه النتائج بدقة.

يقيس الناتج المحلي الإجمالي للفرد الثروة المُنتجة في منطقة ما نسبةً إلى عدد سكانها؛ وهو لا يعادل متوسط الأجور ولا الدخل الذي تحصل عليه الأسر فعلياً. ومع ذلك، فإنه يُعد مؤشراً على كثافة النشاط الاقتصادي الإقليمي. وقد شكلت الجهات الجنوبية الثلاث مجتمعةً 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني بالأسعار الجارية في عام 2024. ويمكن تقييم هذا الثقل الاقتصادي أيضاً في ضوء الخصائص الديموغرافية والجغرافية لهذه الجهات.
وفي هذا السياق، خصصت المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، في عام 2025، دراسةً محددةً حول التحولات السوسيو-اقتصادية في الأقاليم الجنوبية. وقد بحثت الوثيقة تطورات السكان، والتنمية البشرية، وظروف المعيشة، والنشاط الاقتصادي. وتُعد هذه الأعمال مكملاً ضرورياً لفهم المشاريع الكبرى؛ إذ تتيح رصد التحولات المجالية من خلال المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط من خلال حجم الاستثمارات المالية المخصصة لها.
الطاقة: ركيزة أخرى للتحول
تُشكل الإمكانات الطاقية عاملاً آخر من عوامل تنمية الأقاليم الجنوبية؛ فقد ساهمت الظروف الطبيعية المواتية لإنتاج الطاقة الريحية والشمسية في ظهور مشاريع لإنتاج الكهرباء من مصادر متجددة.
الأقاليم الجنوبية: سلاسل قيمة جديدة تتبلور
في مجالات الصيد البحري والتصنيع الصناعي، والفوسفاط والأسمدة، والطاقة المتجددة والخدمات المرتبطة بها، تعمل الأقاليم الجنوبية على تطوير قطاعات اقتصادية تربط بين الموارد المحلية، والقدرات الإنتاجية، والأسواق الاقتصادية. وإلى جانب الاستثمارات الكبرى، تبرز أبعاد أخرى للتنمية الترابية، تتمثل في التثمين الصناعي، والتكامل الإنتاجي، وظهور أنشطة اقتصادية متكاملة. فبدءاً من قطاع الصيد البحري المنظم، ومروراً ببرامج التحويل الصناعي التابعة لشركة “فوسبوكراع” (Phosboucraa)، ووصولاً إلى محطات طاقة الرياح التي دخلت حيز التشغيل الفعلي؛ تضفي هذه الدينامية عمقاً جديداً على اقتصاد الصحراء المغربية.
ولا يقتصر قياس التنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية على حجم البنية التحتية المنجزة أو الاستثمارات المعبأة فحسب، بل يتجلى أيضاً في وحدات التصنيع، والمنشآت الطاقية، والمعدات الصناعية، والخدمات التي تواكب تشغيلها.
وتساهم هذه الأنشطة مجتمعة في بناء نسيج إنتاجي يتسم بتنوع متزايد. ويُعد هذا الجانب أحد أبرز ثمار الدينامية التي انطلقت منذ اعتماد “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية” في عام 2015. فإلى جانب مشاريع التهيئة والربط الكبرى، يبرز تطور آخر يرتبط بشكل مباشر بخلق القيمة؛ ألا وهو القدرة على تحويل الموارد، وتطوير الأنشطة الصناعية، وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية. ويُعد قطاع الصيد البحري مثالاً ملموساً على ذلك؛ إذ تمتلك الأقاليم الجنوبية نسيجاً صناعياً تحويلياً يوفر عشرات الآلاف من فرص الشغل المباشرة.

ومن جانب آخر، يشهد قطاع الفوسفاط تطوراً مدفوعاً باستثمارات تهدف إلى تعزيز التكامل الصناعي. أما في مجال الطاقات المتجددة، فقد تجاوز الأمر مجرد استغلال الإمكانات الطبيعية، حيث دخلت بالفعل عدة محطات إنتاج حيز التشغيل الفعلي. وتتميز هذه الأنشطة بخصائص متنوعة ومستويات متفاوتة من النضج الاقتصادي. ومع ذلك، فهي تعكس توجهاً مشتركاً يتمثل في توسيع القاعدة الإنتاجية في الأقاليم الجنوبية، وتطوير سلاسل قيمة تدمج الموارد، وعمليات التحويل، والطاقة، والخدمات.
قطاع الصيد البحري: 178 وحدة صناعية وما يقرب من 32,000 فرصة عمل مباشرة
يُعد قطاع الصيد البحري أحد أبرز الأمثلة على هذا التطور. فإذا كانت أنشطة الصيد تحتل تاريخياً مكانة هامة في اقتصاد الأقاليم الجنوبية، فإن مساهمتها لا تقتصر فقط على عمليات الصيد وتفريغ المصيد؛ بل تغذي أيضاً مجموعة من الأنشطة الصناعية المرتبطة بالتجميد، والتعليب، والتعبئة، وتثمين المنتجات الثانوية.
ووفقاً لبيانات عام 2023 الصادرة عن الوزارة المكلفة بالصيد البحري، تضم الأقاليم الجنوبية الثلاثة 178 وحدة صناعية متخصصة في تحويل وتثمين المنتجات البحرية. وتوفر هذه المنشآت 31,859 فرصة عمل مباشرة، منها 10,274 وظيفة في مصانع تعليب الأسماك. وتُقدم هذه الأرقام -التي تعكس واقع الحال في عام 2023- دلالة واضحة على أهمية النسيج الصناعي القائم حول الموارد البحرية. وتبرز هنا بشكل خاص تنوع الأنشطة؛ إذ تلبي وحدات التجميد احتياجات حفظ وتسويق المنتجات الطازجة، بينما تساهم مصانع التعليب في توسيع نطاق منافذ البيع وأنماط الاستهلاك.
ومن جانبها، تساهم منشآت تثمين المنتجات الثانوية في تطوير استخدامات صناعية تكميلية. كما يستلزم هذا التنظيم الاستعانة بالعديد من الخدمات، مثل النقل المبرد، والتعبئة والتغليف، والصيانة، والرقابة الصحية، والخدمات اللوجستية، والتسويق. وبناءً عليه، لا تقتصر المساهمة الاقتصادية لهذا القطاع على كميات المصيد المُفرغة فحسب، بل تعتمد أيضاً على الأنشطة التي تتيح حفظ المنتجات وتحويلها وتعبئتها وإيصالها إلى أسواقها. نشاطٌ خاضعٌ لتقلبات الموارد
ومع ذلك، تُشير أحدث إحصائيات المكتب الوطني للصيد البحري إلى أن هذا القطاع يعمل في بيئة تتسم بتغيراتٍ ملموسة في حجم المصطادات المُفرغة. فبحلول نهاية شهر سبتمبر 2026، بلغت الكميات المُسوقة من الصيد الساحلي والتقليدي على المستوى الوطني 965,832 طناً، أي بزيادة قدرها 19% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. كما ارتفعت قيمة هذه المصطادات بنسبة 6%، لتصل إلى قرابة 8.7 مليار درهم. غير أنه لا ينبغي اعتبار هذا التطور على المستوى الوطني دليلاً على نموٍ موحدٍ في جميع الموانئ.

وفي مدينة الداخلة، بلغت كميات الصيد الساحلي والتقليدي المُفرغة 43,141 طناً خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وهو ما يمثل تراجعاً بنسبة 43% على أساس سنوي. وقد بلغت قيمتها 498,37 مليون درهم، مسجلةً انخفاضاً قدره 28%. تعكس هذه النتائج تباين الأوضاع في الموانئ، ومدى تأثر النشاط بتقلبات الموارد المتاحة، وظروف التشغيل، وتركيبة المصيد. كما تبرز الأهمية الاقتصادية للتحويل الصناعي.
وتُعد القدرة على تنويع المنتجات، وتحسين طرق حفظها، وتطوير منافذ تسويقية إضافية، ركيزةً أساسية في هيكلة هذا القطاع. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن التحويل الصناعي كفيلٌ بإلغاء تقلبات الموارد؛ إذ تظل الوحدات الصناعية بدورها رهينةً بتوفر المواد الأولية وظروف السوق. غير أن وجود قاعدة صناعية للتحويل يتيح خيارات متعددة لتثمين المنتجات، ويحفز أنشطة اقتصادية تتجاوز مجرد عملية تفريغ المصيد.
بوجدور والداخلة: تعزيز تثمين المنتجات البحرية
يأتي تطوير قطاع تحويل المنتجات البحرية ضمن التوجهات التي تتبناها وزارة الصيد البحري. وفي هذا الصدد، أطلقت الوزارة مبادرات تهدف إلى تشجيع المشاريع الصناعية المخصصة لاستغلال وتثمين وتحويل الأسماك السطحية الصغيرة، انطلاقاً من مينائي بوجدور والداخلة. وتتزامن هذه الجهود مع إنشاء وحدات للتعليب داخل المناطق الصناعية الملحقة بالموانئ.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه في تنويع الأنشطة المرتبطة بالمنتجات البحرية؛ فكل وحدة تحويل تتطلب تجهيزات صناعية، وقدراتٍ للحفظ، وكفاءاتٍ تقنية، وخدماتٍ لوجستية. كما يمكن لهذه الوحدات أن تساهم في توسيع نطاق التسويق، وذلك وفقاً لطبيعة الأسواق والمنتجات المعنية.
وهكذا، تشكل الأنشطة المرتبطة بالصيد البحري منظومةً اقتصادية تتداخل فيها مهنٌ متنوعة، بدءاً من عمليات المناولة ووصولاً إلى الخدمات الصناعية المتخصصة. يُعد هذا التنظيم ركيزةً هامةً للقيمة المضافة التي يولدها هذا القطاع. كما يتماشى مع مقتضيات التدبير المستدام للموارد السمكية، التي تُعد وفرتُها شرطاً أساسياً لاستمرار نشاط شركات التحويل.
“فوسبوكراع” (Phosboucraa): برنامج استثماري بقيمة 23 مليار درهم
يمثل قطاع الفوسفات نموذجاً آخر لتعزيز القيمة المضافة. فبعد أن كان نشاط شركة “فوسبوكراع” يرتكز تاريخياً على الاستغلال المنجمي، بات اليوم محوراً لبرنامج يهدف إلى تعزيز تكاملها الصناعي واللوجستي. وفي نوفمبر 2025، أعلنت الشركة -وهي فرع تابع لمجموعة المكتب الشريف للفوسفات (OCP)- عن تأمين تمويل بقيمة ملياري درهم من “صندوق الإيداع والتدبير”، وذلك في إطار برنامج استثماري شامل تبلغ قيمته 23 مليار درهم.
ويهدف هذا البرنامج، الذي حُدد أفق إنجازه في عام 2030، إلى إنشاء قطب صناعي ولوجستي متكامل في الأقاليم الجنوبية. ويشمل البرنامج، على وجه الخصوص، توسيع القدرات الإنتاجية لمنجم “فوسبوكراع”، وإنشاء ميناء جديد خاص بالفوسفات لتسهيل عمليات التصدير، بالإضافة إلى تطوير وحدة لإنتاج الأسمدة من نوع “سوبر فوسفات ثلاثي” (Triple Super Phosphate – TSP). والغاية من ذلك هي توسيع نطاق الأنشطة لتتجاوز مجرد استخراج الخام؛ إذ يمثل تصنيع الأسمدة مرحلةً متقدمةً في سلسلة قيمة الفوسفات، وهو ما يتطلب منشآت صناعية متخصصة، ومعدات تقنية، وقدرات تخزينية، وخدمات لوجستية للنقل.

وفي بيانها الرسمي، تصف “فوسبوكراع” هذه الاستراتيجية بأنها تحولٌ في نموذج عملها -من نموذج منجمي بحت إلى نموذج صناعي مستدام- قادرٍ على خلق القيمة وتحقيق منافع سوسيو-اقتصادية على المستوى المحلي. ويندرج هذا التطور ضمن الاستراتيجية الصناعية لمجموعة المكتب الشريف للفوسفات (OCP)، التي ترتكز بشكل أساسي على تحويل الموارد الفوسفاتية وإنتاج الأسمدة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أهداف البرنامج الاستثماري والقدرات التشغيلية الفعلية؛ فإعلان التمويل ووضع برامج التجهيزات لا يعنيان أن المجمع الصناعي قد اكتمل بالكامل. بل يعكسان توجهاً استراتيجياً جوهرياً، يتمثل في توسيع نطاق أنشطة التحويل المرتبطة بالموارد الفوسفاتية.
صناعة تشمل تخصصات مهنية متعددة
لا يقتصر الأثر الاقتصادي لمجمع صناعي ما على إنتاجه الرئيسي فحسب؛ إذ تدور حول المنجم أو وحدة التحويل أو المنصة اللوجستية أنشطةٌ أخرى، تشمل الصيانة، والهندسة، والنقل، والتخزين، والخدمات التقنية. وتُعد هذه الوظائف جزءاً لا يتجزأ من تشغيل المنشآت، كما يمكن أن تفتح آفاقاً تجارية أمام الشركات المتخصصة.
الأقاليم الجنوبية: ثلاث جهات، وأدوار اقتصادية متكاملة
تشارك جهات “كلميم-واد نون”، و”العيون-الساقية الحمراء”، و”الداخلة-وادي الذهب” في دينامية تنموية واحدة، لكنها تتبع مسارات اقتصادية متباينة. فبينما تتميز الجهة الأولى بثقل قطاع الخدمات ودورها كحلقة وصل، تبرز الثانية بقاعدتها الصناعية والإدارية الراسخة، في حين تجمع الجهة الثالثة بين الاقتصاد البحري والزراعة والسياحة. وتكشف بيانات المندوبية السامية للتخطيط ونتائج المسح الصناعي عن تنظيم ترابي متعدد الأقطاب، حيث يمكن للخصائص الفريدة لكل جهة أن تتحول إلى عوامل تعزز التكامل والترابط الاقتصادي.
من ساحل طانطان وصولاً إلى خليج الداخلة، مروراً بالعيون وبوجدور، تزخر الأقاليم الجنوبية بتنوع غني في الموارد والمناظر الطبيعية والأنشطة الاقتصادية، وهو ما ينعكس بوضوح على هيكلتها الاقتصادية. ورغم انتمائها إلى نطاق جغرافي واحد، تتمتع الجهات الثلاث بملامح إنتاجية متباينة، تشكلت بفعل موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية، وحجم الاستثمارات التي وُجهت إليها خلال السنوات الأخيرة. ويُعد هذا التنوع إحدى السمات البارزة للتحول الترابي الجاري حالياً.

لا يرتكز التنمية الاقتصادية في الصحراء المغربية على استنساخ نموذج موحد، بل على التأسيس التدريجي لأقطاب متعددة ذات أدوار متكاملة. فجهة “كلميم-واد نون” تشكل منطقة انتقالية تربط بين وسط المملكة والأقاليم الجنوبية.
أما جهة “العيون-الساقية الحمراء” فتعتمد على الأنشطة الصناعية والإدارية والخدماتية، في حين تتميز جهة “الداخلة-وادي الذهب” باقتصادها البحري وأنشطتها الزراعية وجاذبيتها السياحية. وتتيح الحسابات الجهوية لعام 2024، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، قياس هذه الفوارق، بينما تسلط نتائج المسح الصناعي لعام 2025 الضوء على طبيعة الأنشطة التصنيعية في هذه المناطق. يُرسم من خلال هذا المشهد جغرافيا اقتصادية تمتلك فيها كل منطقة محركات نموها الخاصة، مع إمكانية الاستفادة في الوقت ذاته من التبادلات مع المناطق الأخرى.
جهة كلميم-واد نون: ثقل قطاع الخدمات ودور الربط
تحتل جهة كلميم-واد نون، الواقعة عند نقطة التقاء جهة سوس-ماسة والأقاليم الصحراوية، موقعاً متميزاً في الجغرافيا الاقتصادية للمغرب. وتضم هذه الجهة أقاليم أربعة ذات خصائص متباينة: إقليم كلميم، الذي يُعد المركز الحضري والإداري الرئيسي؛ وإقليم طانطان، الذي ترتبط أنشطته بشكل خاص بقطاعي الصيد والتجارة؛ وإقليم سيدي إفني، المطل على المحيط الأطلسي؛ وإقليم آسا-الزاك، الذي يتميز بأنشطته الرعوية وموارده المجالية.
ويتجلى هذا التنوع في التوجهات الاقتصادية للجهة، التي تجمع بين الخدمات والتجارة والسياحة والزراعة وتثمين الموارد المحلية. وتُظهر الحسابات الجهوية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP) الثقل الكبير الذي يمثله قطاع الخدمات (القطاع الثالث). ففي عام 2024، شكلت الخدمات 73,3% من الناتج الداخلي الخام لجهة كلميم-واد نون، وهي النسبة الأعلى بين جهات المملكة الاثنتي عشرة. وتُميز هذه السمة اقتصاد الجهة بوضوح عن اقتصادات الجهتين الجنوبيتين الأخريين، وتعكس الدور المحوري للأنشطة الإدارية والتجارية والخدماتية في خلق الثروة على المستوى الجهوي. ومع ذلك، لا يمكن اختزال اقتصاد جهة كلميم-واد نون في قطاع الخدمات وحده.
إذ يُعد الصيد البحري، والإنتاج الزراعي، وتربية الماشية، والسياحة مكونات أخرى ضمن نسيجها الاقتصادي. كما تحظى الأنشطة الصناعية بقاعدة ملموسة؛ فوفقاً للمسح الصناعي لعام 2025، بلغ رقم المعاملات الصناعية على مستوى الجهة 2,74 مليار درهم في عام 2024. ومن شأن هذه الأنشطة المتنوعة أن تدعم تطوير عمليات تحويل المنتجات المحلية، وتقديم الخدمات للمقاولات، وإطلاق مبادرات اقتصادية جديدة.
عروض الاستثمار في الاقتصاد الأزرق والأخضر
تسعى الاستراتيجية الجهوية لجذب الاستثمارات إلى تثمين هذا التنوع. في نوفمبر 2025، باشر المركز الجهوي للاستثمار لجهة كلميم-واد نون العمل على إعداد بنك يضم 100 مشروع متعدد القطاعات، تركز بشكل خاص على الاقتصاد الأزرق، والاقتصاد الأخضر، والصناعة، والخدمات ذات القيمة المضافة. وتتضمن هذه المبادرة تحديد الفرص الاستثمارية، وإعداد الملفات الاقتصادية، وتوفير أدوات مخصصة للمستثمرين. ويُعد هذا الإطار بمثابة آلية لإعداد المشاريع والترويج لها، وليس قائمة بـ 100 استثمار تم إنجازه بالفعل؛ وتكمن أهميته في السعي لتقديم فرص محددة بدقة، مدعومة بمعطيات تقنية ومالية من شأنها تسهيل تجسيدها على أرض الواقع.

كما يشكل قطاع السياحة محوراً آخر للتنويع؛ إذ تتمتع مدينة سيدي إفني والمناطق الساحلية بهوية طبيعية ومشهدية فريدة، في حين توفر المناطق الداخلية إمكانات مرتبطة بالتراث والطبيعة والأنشطة الريفية. ومن شأن هذا التنوع أن يعزز تطوير عرض سياحي يجمع بين عدة أقاليم، مما قد ينعكس إيجاباً على قطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والصناعة التقليدية.
وفي هذا السياق، يشكل الدور الذي تلعبه جهة “كلميم-واد نون” كحلقة وصل ميزةً جغرافية هامة؛ إذ تقع الجهة على المحاور الرئيسية التي تربط وسط المملكة بالأقطاب الاقتصادية الواقعة في أقصى الجنوب. ويمكن لهذا الموقع أن يدعم تنمية الأنشطة التجارية واللوجستية والخدماتية، إلى جانب مواردها الإنتاجية الأخرى.
جهة “العيون-الساقية الحمراء” هيكل اقتصادي متجدد مرتبط بالصناعة
وإلى الجنوب أكثر، تبرز جهة “العيون-الساقية الحمراء” بهيكل اقتصادي مختلف. وتتمحور الجهة حول مدينة العيون -باعتبارها المركز الإداري والاقتصادي الرئيسي- بالإضافة إلى مدن بوجدور وطرفاية والسمارة، التي تساهم أنشطتها وإمكاناتها في تعزيز التنوع المجالي للجهة. ويقوم اقتصادها على عدة ركائز، تشمل: الصناعة، والصيد البحري، والأنشطة التعدينية، وإنتاج الطاقة، والتجارة، والخدمات.
وتُظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط (HCP) ثقل الأنشطة الثانوية -التي تضم الصناعة والتعدين والطاقة والبناء- في اقتصاد الجهة. ففي عام 2024، بلغت مساهمة هذه الأنشطة 32.8% من الناتج المحلي الإجمالي الجهوي، وهي نسبة تفوق المعدل الوطني البالغ 25.6%. وبذلك، تُعد “العيون-الساقية الحمراء” من بين الجهات التي تحتل فيها هذه الأنشطة مكانة بارزة في عملية خلق الثروة.

وتُعد هذه السمة إحدى الخصائص المميزة لهيكلها الاقتصادي؛ حيث يساهم وجود أنشطة صناعية مرتبطة بتثمين المنتجات البحرية، واستغلال الفوسفاط، وإنتاج الطاقة في تشكيل هذا الهيكل. ويواكب ذلك منظومة من الخدمات الإدارية والتجارية والتقنية، التي تتركز بشكل خاص في مدينة العيون ومحيطها. تتمتع الجهة بقاعدة اقتصادية تتجاور فيها الأنشطة الصناعية وتلك المرتبطة بقطاع الخدمات.
قطاع صناعي يهيمن عليه مجال الصناعات الغذائية
تقدم نتائج المسح الصناعي لعام 2025 رؤية إضافية حول النسيج التصنيعي. ووفقاً للملف التعريفي للجهة الذي أصدرته الوزارة المكلفة بالصناعة، حققت المؤسسات الصناعية في جهة العيون-الساقية الحمراء، خلال عام 2024، رقم معاملات بلغ 7,63 مليار درهم، وقيمة إنتاج قُدِّرت بـ 6,5 مليار درهم. وقد بلغت القيمة المضافة الصناعية 2,17 مليار درهم، في حين وصل عدد العاملين في القطاع الصناعي إلى 12,122 شخصاً.
واستحوذ قطاع الصناعات الغذائية على 82,8% من إجمالي رقم المعاملات الصناعية على مستوى الجهة، تلاه قطاع مواد البناء بنسبة 13,8%، ثم الصناعات الميكانيكية والمعدنية بنسبة 3,1%. وتُظهر هذه البيانات الثقل المحوري للأنشطة الغذائية ضمن النسيج التصنيعي الجهوي، إلى جانب وجود قطاعات صناعية أخرى ذات نطاق أضيق.
ويعكس هذا الهيكل تخصصاً إنتاجياً واضحاً، يستند بشكل خاص إلى الأنشطة المرتبطة بالموارد البحرية. كما يسلط الضوء على إمكانات تنويع القطاع الصناعي، استناداً إلى الكفاءات والتجهيزات والخدمات المتوفرة بالفعل. وبذلك، تحتل جهة العيون-الساقية الحمراء مكانة متميزة ضمن الأقاليم الجنوبية؛ فهي تشكل قطباً تتضافر فيه الأنشطة الصناعية والخدمات والوظائف الإدارية لتشكيل البنية الاقتصادية للجهة.
جهة الداخلة-وادي الذهب: اقتصاد بحري يتجه نحو التنويع
في أقصى جنوب المملكة، تبرز جهة الداخلة-وادي الذهب بنموذج اقتصادي مختلف؛ إذ يتسم اقتصادها بأهمية الأنشطة البحرية، إلى جانب قطاعات الزراعة والسياحة والخدمات. يُعد خليج الداخلة عنصراً جوهرياً في الهوية الترابية للمنطقة وفي أنشطتها الاقتصادية. وتؤكد الحسابات الإقليمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP) الدور البارز للأنشطة الأولية في الاقتصاد الجهوي.
ففي عام 2024، شكل قطاعا الزراعة والصيد البحري 17,3% من الناتج المحلي الإجمالي لجهة الداخلة-وادي الذهب، مقارنة بـ 10,7% على المستوى الوطني. ويعكس هذا الثقل النسبي أهمية الإنتاج الأولي في الهيكل الاقتصادي للجهة. كما نجحت المنطقة في تطوير أنشطة زراعية رغم الظروف الطبيعية الصعبة، وذلك بفضل اعتماد تقنيات إنتاج ملائمة وتعبئة الموارد المائية. وإلى جانب ذلك، تزخر الجهة بقطاع سياحي يرتكز على واجهتها البحرية وخليجها والرياضات المائية، مما يساهم في تعزيز مكانتها ضمن أسواق سياحية متخصصة.

ويشكل هذا المزيج بين الاقتصاد البحري والزراعة والسياحة إحدى السمات المميزة الرئيسية للجهة. كما يتميز النسيج الصناعي الجهوي بوجود قاعدة صناعية ملموسة؛ فوفقاً للمسح الصناعي لعام 2025، بلغ رقم معاملات المؤسسات الصناعية في جهة الداخلة-وادي الذهب 4,67 مليار درهم.
الأقاليم الجنوبية: الاستثمارات الهيكلية ترسم ملامح المراحل المقبلة للتنمية
يواصل البرنامج الميزاني للفترة 2027-2029 تعزيز جهود الاستثمار العمومي في الأقاليم الجنوبية. فمن ميناء الداخلة الأطلسي إلى المرافق الاستشفائية والجامعية، مروراً بالبنيات التحتية المائية، لا تزال المشاريع الكبرى تحظى بتمويلات هامة. وتعكس مراحل تقدم هذه المشاريع، إلى جانب التمويلات المبرمجة للسنوات المقبلة، حجم الجهود المبذولة لترسيخ البنيات التحتية الاقتصادية والاجتماعية في هذه المناطق. ولا يقتصر الهدف على إنجاز المنشآت الكبرى فحسب، بل يتعداه إلى تعزيز مساهمتها في النشاط الاقتصادي، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية.
وتستمر الاستثمارات العمومية في صياغة مسار التنمية في الأقاليم الجنوبية. فبعد مرور أكثر من عقد على إطلاق النموذج التنموي الجديد لهذه المناطق، باتت مشاريع البنيات التحتية الكبرى تترافق تدريجياً مع تعزيز التجهيزات الاقتصادية والاجتماعية. وتتجلى هذه الدينامية في البرنامج الثلاثي 2027-2029، المُدرج ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، والذي ينص على مواصلة تنفيذ العديد من المشاريع المهيكلة في جهات العيون-الساقية الحمراء، والداخلة-وادي الذهب، وكلميم-وادي نون.
وتتيح المذكرات المتعلقة بالتوزيع الجهوي للاستثمار -المرفقة بمشروعي قانوني المالية لسنتي 2026 و2027- الوقوف على هذا الاستمرار في العمل التنموي، والتعرف على الآفاق الزمنية للتمويل. وتحتل المشاريع الكبرى في قطاعات الموانئ، والصحة، والمياه، والتعليم الجامعي حيزاً مهماً ضمن هذه البرامج، مع جداول زمنية تتلاءم مع احتياجات كل مشروع ومراحل إنجازه. ورغم أن بعض التكاليف والجداول الزمنية قد تشهد تعديلات من برنامج إلى آخر، إلا أن الوثائق تبرز بوضوح استمرار جهود التجهيز الرامية إلى دعم التحول الاقتصادي والاجتماعي لهذه المناطق. تكتسي هذه المسألة أهمية بالغة، لا سيما وأن الاستثمارات لا يمكن تقييمها بمعزل عن بعضها البعض؛ إذ ينبغي أن تتكامل البنيات التحتية للنقل مع المنصات اللوجستية والصناعية، في حين يتعين على المرافق الصحية والجامعية والمائية مواكبة احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية. وهذا التكامل هو ما يضفي دلالةً جوهرية على البرمجة المقررة للسنوات المقبلة.
ميناء “الداخلة الأطلسي”: استثمارٌ ضخمٌ يتواصل تنفيذه
يحتل ميناء “الداخلة الأطلسي” مكانةً بارزة ضمن المشاريع الكبرى المدرجة في برمجة الفترة 2027-2029. ورغم الإشارة إليه سابقاً في سياق الحديث عن الجغرافيا الاقتصادية الجديدة للأقاليم الجنوبية، إلا أن هذا المشروع يبرز هنا بحجم الاعتمادات المالية المتبقية ضمن البرمجة.
ووفقاً لمذكرة مشروع قانون المالية لسنة 2027، تصل التكلفة الإجمالية المحيّنة للمشروع -بما في ذلك أعمال توسعة الميناء- إلى 15,06 مليار درهم. أما اعتمادات الأداء المتوقعة للسنوات الثلاث المقبلة فتبلغ قرابة 7,3 مليار درهم، موزعة على النحو التالي: 2,574 مليار درهم في عام 2027، و2,561 مليار درهم في عام 2028، و2,157 مليار درهم في عام 2029. ومقارنةً بالبرمجة السابقة، يولي الجدول الزمني الحالي أهميةً أكبر لسنة 2028. وتستهدف التوقعات الرسمية بلوغ نسبة إنجاز قدرها 90% بحلول عام 2027، على أن تكتمل الأشغال بنهاية عام 2028، ويبدأ التشغيل الفعلي اعتباراً من عام 2029. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تظل في إطار الأهداف المرجوة، وليست إنجازاتٍ محققةً بالفعل. وبناءً عليه، يتمحور الرهان في السنوات القادمة حول مسارين متوازيين: مواصلة إنجاز البنية التحتية المينائية، وتهيئة الظروف اللازمة لدمج هذا المرفق في النسيج الاقتصادي الإقليمي.
كما سيعتمد الأثر الاقتصادي للميناء على مدى اندماجه في بيئة إنتاجية أوسع نطاقاً. ستُشكّل شبكات الطرق، والمناطق اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة، وتوفر الموارد المائية، عوامل حاسمة لدعم تطور الأنشطة الاقتصادية التي قد تُقام في هذه المناطق.
وفي هذا الصدد، يتضمن برنامج الفترة 2027-2029 أيضاً إنشاء منطقة صناعية ولوجستية مرتبطة بميناء “الداخلة الأطلسي”، بتكلفة تقديرية تبلغ 150 مليون درهم، مع توزيع الاعتمادات المالية على السنوات الممتدة من 2027 إلى 2029. ويُبرز هذا المشروع ضرورة تعزيز البنى التحتية الكبرى للنقل بمساحات مخصصة لاحتضان الأنشطة الاقتصادية.
الصحة: تعزيز العرض الصحي في الأقاليم
يُعد تعزيز البنية التحتية الصحية محوراً رئيسياً آخر للاستثمار العمومي في الأقاليم الجنوبية. وتُعتبر المراكز الاستشفائية الجامعية في كل من العيون وكلميم من بين أهم المنشآت المدرجة ضمن هذا البرنامج. ففي العيون، قُدّرت التكلفة الإجمالية للمركز الاستشفائي الجامعي بـ 2.8 مليار درهم. وتشير المذكرة المرافقة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى أن نسبة الإنجاز المادي للمشروع بلغت 96%، مقارنة بـ 80% في الوثيقة السابقة. كما تبلغ اعتمادات الأداء المخصصة لسنة 2027 نحو 260 مليون درهم.
ويعكس هذا التطور تقدماً ملموساً في مستوى الإنجاز المادي، دون تحديد موعد دقيق للتشغيل الفعلي للمنشأة.

وفي الوقت ذاته، أُعيد تقييم تكلفة المشروع مقارنةً بالبرمجة السابقة، التي كانت قد خصصت له غلافاً مالياً قدره 2,36 مليار درهم. ففي كلميم، يمثل المركز الاستشفائي الجامعي استثماراً إجمالياً بقيمة 2 مليار درهم. وقد بلغت اعتمادات الأداء المبرمجة لعام 2027 ما قدره 610 ملايين درهم، مقابل 400 مليون درهم في التقديرات التي وُضعت قبل عام. ومع بقاء التكلفة الإجمالية دون تغيير، فقد تم تعديل الجدول الزمني المالي. وإلى جانب هذه المرافق المرجعية، تتضمن البرمجة أيضاً بنى تحتية صحية للقرب.
وفي جهة كلميم-واد نون، خُصص للمستشفى المحلي في “تيغرت” غلاف مالي إجمالي تقديري قدره 220 مليون درهم، منها 55,5 مليون درهم مبرمجة لعام 2027، و100 مليون درهم لعام 2028. وتستجيب هذه الاستثمارات لرهان جوهري بالنسبة للأقاليم الجنوبية، يتمثل في تحسين الولوج إلى العلاجات، وتعزيز القدرات الاستشفائية، وتطوير عرض طبي متخصص يكون أقرب ما يمكن إلى السكان. كما سيعتمد الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات على توفر التجهيزات التقنية والموارد البشرية، وظروف تشغيل هذه المؤسسات.
المياه: بنية تحتية لا غنى عنها للنمو
ترتكز التنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية أيضاً على تأمين إمدادات المياه. ففي ظل بيئة تتسم بضغوط مائية هيكلية، تُعد البنى التحتية المخصصة لتعبئة المياه وتحليتها استثماراتٍ جوهرية، سواء لتلبية احتياجات السكان أو لدعم إرساء أنشطة إنتاجية جديدة. وفي مدينة العيون، يندرج مشروع مأخذ المياه الخاص بمحطة تحلية مياه البحر ضمن العمليات المدرجة في برمجة الفترة 2027-2029؛ حيث تُقدر تكلفته الإجمالية حالياً بـ 850 مليون درهم، مقارنة بـ 750 مليون درهم في البرمجة السابقة. تُقدَّر الاعتمادات المتوقعة بـ 350 مليون درهم لعام 2027، و358 مليون درهم لعام 2028، و32 مليون درهم لعام 2029.
وتُظهر المقارنة مع الجدول الزمني السابق تعديلاً في التوزيع السنوي للمدفوعات، مع تخصيص تمويلات أكبر لعام 2028. ويُبرز هذا الاستثمار الدور المحوري والمتشعب للمنشآت المائية في التحول الترابي؛ إذ يُعد تأمين الموارد المائية شرطاً أساسياً للتوسع الحضري، فضلاً عن كونه ركيزة للتنمية الصناعية والسياحية والزراعية. وبذلك، تساهم هذه المنشآت في ترسيخ الظروف اللازمة لتعزيز الجاذبية الاقتصادية للأقاليم الجنوبية.
التعليم العالي: تعزيز الكفاءات المحلية
تعكس البرمجة الميزانياتية أيضاً الأهمية الممنوحة لمرافق التكوين والتعليم العالي. فبناء الكفاءات يُعد مكملاً لا غنى عنه للبنية التحتية الاقتصادية، لا سيما في المناطق التي يؤدي فيها ظهور أنشطة جديدة إلى زيادة الطلب على المؤهلات والمهارات. وفي مدينة العيون، خُصصت اعتمادات دفع بقيمة 20 مليون درهم لعام 2027 لمشروع كلية الطب والصيدلة، الذي تُقدر تكلفته الإجمالية بـ 433 مليون درهم.

وتشير وثيقة الميزانية إلى بلوغ نسبة الإنجاز المادي للمشروع 94%، بينما وصلت نسبة التنفيذ المالي إلى 81,1%. أما في مدينة كلميم، فيمثل مشروع كلية الطب والصيدلة استثماراً بقيمة 315 مليون درهم؛ حيث تنص البرمجة على تخصيص 80 مليون درهم في عام 2027، و70 مليون درهم في عام 2028، و50 مليون درهم في عام 2029. كما تتضمن الوثيقة المتعلقة بعام 2027 مشاريع أخرى في مجالات العلوم والتكنولوجيا والإدارة، تهدف إلى توسيع نطاق عروض التكوين، وذلك في إطار السعي نحو تنويع الكفاءات المتاحة على المستوى الجهوي. يُعدُّ تعزيز هذه الشبكة الجامعية رهاناً طويل الأمد. فمن خلال تقريب فرص التدريب من الأقاليم، يمكن لهذه المرافق أن تسهم في دعم الموارد البشرية المحلية وتلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية النامية. ومع ذلك، سيعتمد أثرها على مدى ملاءمة البرامج التدريبية لاحتياجات الشركات والإدارات والمرافق العامة.
استثمارات تكميلية وجداول زمنية متفاوتة
تُظهر البرمجة للفترة 2027-2029 مشاريع في مراحل إنجاز مختلفة؛ فبعضها لا يزال يتطلب تمويلات كبيرة على مدى عدة سنوات مالية، بينما وصل بعضها الآخر إلى مراحل متقدمة من التنفيذ المادي. وبناءً عليه، يتم تعديل جداول الدفع وفقاً للبرمجيات المتعاقبة.
وهذا التطور أمرٌ ملازمٌ لتنفيذ مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق. ومع ذلك، فإنه يقتضي التمييز بين الاعتمادات التقديرية، والتكاليف الإجمالية للعمليات، والنفقات التي تم صرفها فعلياً. وتستعرض المذكرات الإقليمية المشاريع الرئيسية المُموَّلة من الميزانية العامة للدولة، بالإضافة إلى الاستثمارات التي تتولاها المؤسسات والشركات العامة، دون أن تشكل جرداً شاملاً لكافة المشاريع.
تمويلات عامة موجهة للمجالات الترابية
إن المقارنة بين البرمجتين لا تكفي، بحد ذاتها، لقياس التغير الإجمالي في الاستثمار العام عبر الجهات الثلاث؛ لكنها، في المقابل، تقدم مؤشرات حول استمرارية المشاريع الكبرى، ومراحل تقدمها، والاستحقاقات المالية المقبلة. وتُبرز هذه القراءة جانباً جوهرياً في تنمية الأقاليم الجنوبية، ألا وهو التكامل بين البنيات التحتية الاقتصادية والمرافق الاجتماعية. إذ ينبغي أن تترافق الاستثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية مع توفير خدمات عمومية ملائمة، وقدرات تكوينية، وضمان الموارد الضرورية لتحقيق النمو.
توجيه الاستثمارات نحو خلق القيمة
مع تقدم المشاريع، ينتقل التركيز تدريجياً نحو دمجها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمجالات الترابية المعنية. فبينما يُعد إنجاز البنيات التحتية مرحلة أساسية، فإن مساهمتها في التنمية ستعتمد أيضاً على كيفية استخدامها وتشغيلها، وقدرتها على دعم أنشطة جديدة.

وفي حالة الداخلة، سيكون الربط بين الميناء الأطلسي والمناطق اللوجستية والقطاعات الإنتاجية عاملاً حاسماً. أما في العيون وكلميم، فيجب أن يتزامن تعزيز التجهيزات الاستشفائية والجامعية مع تحسين الخدمات العمومية وتوفير الكفاءات البشرية اللازمة.
وتظل البنيات التحتية المائية والطاقية، في الجهات الثلاث، شرطاً أساسياً لتحقيق التنويع الاقتصادي. وبذلك، تأتي البرمجة للفترة 2027-2029 استكمالاً لجهود استثمارية تهدف إلى تعزيز القدرات التنموية للأقاليم الجنوبية؛ فهي تسلط الضوء على الاستحقاقات المقبلة لعدد من المشاريع المهيكلة، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة تقييم أثرها على المدى البعيد.
إن مواصلة هذه الاستثمارات تفتح آفاقاً جديدة للأقاليم الجنوبية؛ حيث سيُقاس مدى مساهمتها في التنمية الترابية، بشكل متزايد، بقدرتها على دعم الأنشطة الإنتاجية، وتعزيز الخدمات العمومية، وخلق فرص شغل مستدامة. في هذا التفاعل بين البنى التحتية والمهارات وخلق القيمة، يكمن جزءٌ جوهري من الديناميكية الاقتصادية للسنوات المقبلة.





