احتجاجات العمال الزراعيين باشتوكة أيت باها… بين غياب العدالة الاجتماعية وهشاشة الوضع المعاش

إيمان أوكريش: صحافية متدربة
في مشهد يتكرر كثيرا باشتوكة أيت باها، التجأ العاملون والعاملات الزراعيات، من جديد، إلى الاحتجاج على الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعانون منها، بمقاطعة العمل لثلاثة أيام، مطالبين بالزيادة في الأجور كمطلب أول، في ظل الوضعية الصعبة، التي فرضتها موجة الغلاء وما زالت تفرضها.
حوّل العمال الزراعيون مواقف تجمعهم للعمل، إلى مسارح احتجاجية ترجمت غضبهم من الاستغلال، الذي يتعرضون له من قبل الباطرونا الفلاحية، إذ انطلقت الاحتجاجات بأيت عميرة وبيوگرى، فجر الاثنين الماضي 25 نونبر 2024، وانتهت يوم الخميس، لتنتقل في اليوم الثاني إلى إنشادن وبلفاع والقليعة من الإقليم نفسه، وكذا ولاد التايمة التابعة لإقليم تارودانت.
وجاءت هذه الاحتجاجات استجابة لدعوات انتشرت منذ أشهر، على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة “فايسبوك“، في غياب لأي إيعاز من طرف أي جهة نقابية.
معاناة “الشتوكيين” مستمرة منذ سنين، وما تزال
يخرج العمال الزراعيون، أو عصب النشاط الفلاحي بالإقليم، من الفجر إلى أوقات متأخرة مساء، إذ تصبح الثماني ساعات بدعة فقط، لمواجهة ظروف العمل اللاإنسانية وأهوال الطريق، حيث تخطف حوادث السير الشغيلة الفلاحية من حين لآخر، بفعل تنقيل العمال بأعداد كبيرة في مركبات مهترئة.
إلى جانب هذا كله، يظل أغلب العمال، دون عقود عمل، لضمان حقوقهم المشروعة، ولا تأمين صحي يحميهم من حوادث الشغل، وحتى أجورهم الزهيدة لا تكفي لتحقيق عيش كريم، إذ تتراوح بين 70 و 80 درهما، وقد تصل إلى 100 درهم، مع زيادة ساعات العمل. وبالرغم من هذه الوضعية، إلا أنهم يواصلون العمل بصمت، اللهم بعض الاحتجاجات المتفرقة والتي تفض غالبا بالقوة من قبل السلطات المحلية، لأن هناك غياب قوانين تحميهم، وإعراض عن الاستجابة لأصواتهم عن طريق النقابات والجمعيات التي تمثلهم.
في هذا الصدد، يقول محمد، عامل زراعي، لـ”إعلام تيفي“، إن العمال الفلاحيين مقهورون، و 80 درهما لا تغطي تكاليف المعيش اليومي في ظل التهاب أسعار المواد الغذائية، مشيرا إلى أنه يصل نهاية “ الكانزة“، أي أسبوعين، بجيوب فارغة.
وتابع المتحدث نفسه، أن الشغيلة بأيت عميرة وإقليم اشتوكة أيت باها ككل، بحاجة إلى اهتمام أحد المسؤولين لوضع ملفهم على طاولة النقاش، بغرض الخروج من الوضعية التي يعيشونها منذ زمن بعيد.
كما استنكر الظروف المزرية المرتبطة بالعمل في ما يخص نقل العمال وقلة مدد استراحات الفطور أو الغذاء، إضافة إلى إجهادهم جسديا، بكثرة الأعمال الشاقة في وقت قصير، أو ما يسمى بـ“ العطش“، حيث قد يقومون بعمل يومين في يوم واحد.
وفي السياق ذاته، تعبر عائشة، عاملة زراعية، عن استيائها من الظلم الذي تتعرض له العاملات الزراعيات، خاصة في ما يتعلق بنقلهن، إذ ينقلن في مركبات لا تستوعب أعدادهن الكبيرة، وبالتالي تهديد سلامتهن، مشيرة إلى تجريدهن من قيمتهن الإنسانية بهذا الفعل اللاإنساني. كما أضافت أن المسؤوليين عن هذه الضيعات الفلاحية، لا يستجيبون لشكاياتهم، بحجة أن هناك آلاف من يردن الاشتغال وفق الظروف نفسها.
كما أوضحت المتحدثة ذاتها، مظاهر التحرش التي تتعرض له العاملات أثناء العمل، من خلال محاولة استغلالهن من قبل المسؤولين عليهن، أو تسريحن من العمل، إذا لم يستجبن لإغراءاتهم. ثم استقطاب صغيرات السن في إقصاء لأخريات لم تصلن بعد سن التقاعد.
تدخلات أمنية “قمعية” فضت الاحتحاجات
وحسب مصادر محلية، فقد قوبلت احتجاجات العمال الزراعيين بإقليم اشتوكة أيت باها، بتدخل أمني، حيث تركز حول محاولة منع المسيرات التي نظمها العمال والعاملات، إذ اعتمدت السلطات القوة لتفريق بعض التجمعات. إضافة إلى اعتقالها بعض المحتجين، وكذا مصادرة بعض الهواتف النقالة والبطائق الوطنية.
كما شملت التدخلات إجراءات لمنع تنظيم المسيرات والحد من توسعها، بالرغم من الطابع السلمي للاحتجاجات. في المقابل، بررت السلطات إجراءاتها بالحفاظ على الأمن العام ومنع تعطيل الأنشطة الاقتصادية بالمنطقة.
في تصريح لـ“إعلام تيفي“، يقول عبد الله، عامل زراعي باشتوكة أيت باها، إنه تعرض لإصابة قوية في ساقه، لكن الذي حز في نفسه هو الضرب الذي تعرضت له العاملات الزراعيات، متسائلا عن أي قانون يسمح بالمس بكرامة الإنسان بهذه الطرق التعسفية.
وأضاف المتحدث نفسه، أنه فقط يطالب بحقوقه، خاصة الزيادة في الأجور، لأن 80 درهما لليوم لا تكفيه لإعالة أسرته، مما اضطر زوجته للعمل معه.
وفي الصدد نفسه، تؤكد فاطمة، عاملة زراعية بمدينة بيوكرى، التابعة لإقليم اشتوكة، أن العاملات والعمال تعرضوا للضرب والركل من قبل عناصر الشرطة، خلال احتجاجاتهم السلمية، أثناء مطالبتهم فقط بحقهم الطبيعي وحق أبنائهم. مشيرة إلى أنها تعرضت بمعية باقي المحتجين، إلى الظلم من قبل الجهات التي يفترض أن تكون أول المدافعين عنهم.
رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة و”الكونطرا سرطان ينخر العلاقة الشغلية”
إثر الاحتجاجات التي خاضها العمال الزراعيون باشتوكة، وجّهت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي رسالة مفتوحة لرئيس الحكومة، مطالبة بتلبية حقوقهم، نظرا للتمييز والاستغلال، وكذا الأوضاع التي يعانونها، بالرغم من إسهامهم في العائدات الكبيرة لصالح الاقتصاد الوطني.
وأشارت الجامعة في رسالتها، إلى أن العمال الزراعيين يتعرضون للتمييز في الأجور مقارنة ببقية القطاعات، رغم الاتفاقات الموقعة سابقا في أبريل 2022، وأبريل 2011، بشأن المساواة التدريجية في الحد الأدنى للأجور في القطاع الفلاحي مع باقي القطاعات.
كما طالبت الجامعة بتحسين ظروف عمل العمال بما يتماشى مع القوانين الوطنية والدولية، وتوفير الحماية الاجتماعية لهم، من تأمينات صحية ومعاشات تقاعدية، ثم إطلاق سراح المعتقلين جراء احتجاجاتهم السلمية. إضافة إلى تفعيل آليات الحوار الاجتماعي بين النقابات ووزارة التشغيل لتسوية القضايا العالقة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وفي حوار خص به إدريس عدة، نائب الكاتب العام للجامعة الوطنية، موقع “إعلام تيفي”، يقول إن احتجاجات العمال الزراعيين يؤكد وجود اختلالات كبيرة،
تعكس تنمية مشاريع فلاحية ضخمة بالمنطقة في مقابل استمرار الوضعية المزرية التي يعيشها العمال، مشيرا إلى أن هذه الفئة تعيش تحت عتبة الفقر، استنادا للتقارير الوطنية، حتى وإن اشتغلت السنة كاملة ودون انقطاع.
وأوضح المتحدث عينه، أن الشغيلة خرجت للمطالبة برفع الأجر اليومي للعمال ليصل إلى 150 درهما، وهذا مطلب واقعي، بالنظر للغلاء المهول للمعيشة، وهو مطلب يتجاوز الاتفاقات الموقعة سابقا، بين الحكومة والباطرونا والنقابات بشأن المساواة التدريجية في الأجور بين جميع القطاعات، والتي تم تعليق تنفيذها سنة 2023، ليبقى الاتفاق حبرا على ورق ، في ظل استمرار مناورات الحكومة الباطرونا لإقباره، لافتا إلى أن دخل العامل الزراعي يقل عن دخل العامل في قطاع الصناعة بـ 30 درهما، حتى وإن كان أجر هذا الأخير زهيدا هو الآخر، إذ لا يتعدى 110 درهما.
ونبه عدة إلى إشكالية ” التشغيل بالعقود محددة المدة” التي يعاني منها العمال، لأنها لا تضمن لهم الاستقرار في العمل، بالرغم من حاجة الضيعات الفلاحية إلى عمال دائمين، وذلك لتأبيد وضعيتهم وحصرها في خانة “العمال المؤقتين”، الشيء الذي يمنعهم من الاستفادة من التقاعد والتغطية الصحية.
وقال المتحدث “إن التشغيل بالعقدة استثناء في القانون، لكنه أصبح سرطانا ينخر العلاقة الشغلية في القطاع الفلاحي”، ثم نبه المتحدث إلى إشكالية أخرى ترتبط بالعمل عن طريق شركات التشغيل المؤقت، دون مراقبة قانونية عمل هذه الشركات، التي تحولت إلى أداة لضرب العلاقة الشغلية المباشرة بين المشغل والأجير، وضرب الضمانات القليلة التي تضمنها مدونة الشغل للأجراء سواء في الضيعة الفلاحية أو في محطة التلفيف. إضافة إلى تأدية أجور العمال الزراعيين بالحد الأدنى للأجور بالقطاع الفلاحي، في أحسن الأحوال، رغم أن شركات التشغيل المؤقت مطالبة بصرف الحد الأدنى للأجور المخصص لقطاعات الصناعة والخدمات، وكذا التصريح بالعمال لدى CNSS، باعتبارها شركات تنتمي للقطاع الخدماتي وليس الفلاحي .
ومن بين الآفات الأخرى، حسب المتحدث، تسلط الكثير من السماسرة، الذين يسمسرون في اليد العاملة ب”المواقف”، أي تجمعات العمال، في تواطؤ مؤكد مع الباطرونا وعلى مرأى السلطات المحلية والشغلية، إذ يمكن تصنيف هذه الممارسات الخطيرة كجريمة المتاجرة في البشر.
وختم عدة حواره، بالتنبيه إلى تعريض سلامة العاملات والعمال للخطر، وذلك باعتماد الضيعات الفلاحية مبيدات خطيرة، وفي ظروف غير آمنة، وهذا أمر مصرح به من طرف الشغيلة، على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. دون رقيب حماية صحة وسلامة العاملات والعمال واراد اسرهم.
دعم نقابي وحزبي لمطالب العمال الزراعيين باشتوكة
بفعل الوضع الذي يعيشه العمال الزراعيون، طالبت النقابة الوطنية للفلاحة، مختلف الجهات الحكومية المعنية بالتفاعل مع مطالب العاملات والعمال الزراعيين باشتوكة، معتبرة احتجاجاتهم إشارة لتحذير الجهات الحكومية من خطورة ما قد تؤول إليه الأوضاع، في ظل هزالة الأجور، مع اعتماد سياسات وقرارات حكومية لا تواكب أسس الدولة الاجتماعية، الشيء الذي سيزيد من حدة الفوارق الاجتماعية.
وسجلت النقابة نفسها والمنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، في بلاغ لها، تنديدها بالتضييق الذي يعرفه مجال الحقوق والحريات، ودعوتها الجهات الحكومية المعنية إلى التدخل العاجل وفتح الحوار معها، ومع ممثلي العمال، لتدارس مطالب العمال، ووضع حلول تستجيب لتطلعاتهم.
أما حزبيا، فقد أدان الحزب الاشتراكي الموحد بإقليم اشتوكة أيت باها، في بيان له، الاستغلال الذي يتعرض له العمال الزراعيون، مطالباً بتطبيق صارم لقوانين الشغل وضمان ظروف عمل كريمة. كما دعا إلى فتح نقاش وطني حول الأوضاع المعيشية وكذا الأجور، مع وقف التدخلات الأمنية التي تواجه احتجاجات سلمية مشروعة.
وشدد البيان على ضرورة إنهاء “الممارسات القمعية” ضد الحراك العمالي والتوسل بالحوار لحل المشاكل، مع إعلان تضامنه مع الفئات المهمشة، والتزامه بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة. كما انتقد السياسات الاقتصادية التي تهدد الأمن الاجتماعي، محذراً من استنزاف الموارد الطبيعية وتجاهل الخدمات الأساسية.
ودعا الحزب إلى إشراك العمال في القرارات المتعلقة بحياتهم وظروف عملهم، وتعزيز الاستثمارات المسؤولة التي تحترم البيئة وتوفر فرص عمل تحفظ الكرامة.
واختتم الحزب بيانه، بالتأكيد على أن الحوار والتضامن هما السبيل لتحقيق التغيير وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.
مستور ردا عن “أبيفيل” “إنها صرخة غضب عمالية وليست شغبا”
أدانت جمعية منتجي ومصدري الخضر والفواكه “أبيفيل” بشدة الاحتجاجات التي خاضها العمال الزراعيون، معتبرة إياها شغبا، وتخريبا، لأنها عطلت نشاط القطاع الفلاحي، وأثارت الفوضى في صفوف العمال.
وأوضحت الجمعية عبر مواقع إعلامها أن الاعتداءات بدأت باستهداف نقاط تجمع العمال في طريقهم إلى الضيعات الفلاحية، ثم امتدت إلى الدواوير التي يقيم فيها معظم العمال، حيث تعرضوا للعنف باستخدام العصي والحجارة، وحتى التهديد بالأسلحة البيضاء. كما أكدت أن هذه الأفعال لم تقتصر على تعطيل حركة العمال، بل سعت إلى شل القطاع بأكمله.
ووصفت الجمعية هذه الممارسات بأنها لا تمت بصلة للعمل النقابي المشروع، بسبب مستوى العنف المفرط المستخدم وانعدام أي مساطر قانونية واضحة، مع تشديدها على أن العمال أظهروا تمسكًا واضحًا بعملهم، رغم ما تعرضوا له من مخاطر وتهديدات، في محاولة للالتحاق بمقرات عملهم.
إلى جانب ذلك، أعربت الجمعية عن التزامها التام بالحوار الاجتماعي ومقتضياته المنطقية، مشيرة إلى أن القطاع يعاني من تحديات كبرى، أبرزها الموجات الحرارية المتتالية التي ضربت منطقة سوس ماسة، وارتفاع حدة الآفات الزراعية التي أدت إلى انخفاض الإنتاج وإتلاف جزء من المحاصيل.
وجددت الجمعية التزامها بدعم القطاع والنهوض به لضمان تزويد الأسواق الوطنية بالخضر والفواكه، مع الحفاظ على المكتسبات التصديرية، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها.
في رد صريح على جمعية منتجي ومصدري الخضر والفواكه “أبيفيل”، وجه يوسف مستور، عضو فدرالية اليسار الديموقراطي، انتقادات لاذعة إلى الجمعية، مؤكداً أن الظروف المعيشية والعملية للعاملين في القطاع الزراعي غير إنسانية، تتجلى في غياب التغطية الصحية والاجتماعية، وساعات العمل الطويلة، زيادة عن تدني الأجور. كما أشار إلى الاستغلال الممنهج للنساء العاملات اللواتي يشكلن أغلبية اليد العاملة، حيث تغيب أبسط حقوقهن وتقاس كرامتهن.
وجاء في رد مستور، اتهام الجمعية بالتنصل من مسؤوليتها الاجتماعية، معتبرا تصريحاتها بشأن “الالتزام بالحوار الاجتماعي”، لا تعدو أن تكون ذريعة لإخماد الأصوات الحرة، في ظل غياب أي مفاوضات جدية مع النقابات المستقلة التي تمثل العمال فعلياً. وعبر كذلك، عن دعمه للعاملات والعمال، مؤكداً أن وحدتهم هي السلاح الأقوى ضد الاستغلال، داعياً إلى الاستمرار في المطالبة بحقوقهم المشروعة، المتمثلة في أجور عادلة، وحماية اجتماعية، وكذا احترام حقوقهم دون تمييز.
وبالتالي، وحسب يوسف مستور، فإن الاحتجاجات التي قادها العمال باشتوكة أيت باها ليست شغبا، بل صرخة غضب عمالية، تعكس واقعاً بئيسا يتطلب معالجة جذرية وحقيقية بدل الالتفاف على مطالب العمال المشروعة.
ما حقيقة رفع أجور العمال الزراعيين باشتوكة بعد احتجاجاتهم؟
تداولت صفحات إخبارية محلية بإقليم اشتوكة أيت باها أخبارا عن إقرار زيادات في أجور العمال الزراعيين، تصل إلى 50 درهم في اليوم الواحد، ليرتفع بذلك إلى 120 درهم.
وفي سياق متصل، يؤكد فريد، عامل زراعي بالمنطقة، أن الزيادة في الأجور مجرد إشاعة، وليست هناك بيانات تفيد ذلك. مضيفا أن بعض الضيعات الفلاحية زادت في أجور العمال بنسبة 10 دراهم لليوم الواحد، تفاديا لضياع المحصول الزراعي، خاصة في ضيعات التوت البري.





