النفط يشتعل.. وبرميل الخام يقفز إلى ما فوق 115 دولاراً

حسين العياشي

تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب غير المسبوق مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث انعكست التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة مباشرة على أسعار النفط، التي قفزت في غضون ساعات قليلة إلى مستويات لم تبلغها منذ سنوات.

فمع بداية التداولات الآسيوية صباح الاثنين، شهدت أسعار الخام ارتفاعاً حاداً، إذ قفز سعر البرميل بنحو 30 في المائة خلال فترة وجيزة، ليتجاوز عتبة 115 دولاراً، في قفزة مفاجئة أعادت إلى الأذهان صدمات الطاقة التي شهدتها الأسواق العالمية في أوقات الأزمات الكبرى. وسجل خام غرب تكساس الوسيط، المرجع الأمريكي، ارتفاعاً سريعاً اقترب به من مستوى 114 دولاراً للبرميل بعد أن لامس لفترة قصيرة نسبة ارتفاع تجاوزت الثلاثين في المائة، بينما ارتفع خام برنت، المرجع العالمي، بدوره ليبلغ نحو المستوى ذاته.

هذا الارتفاع الحاد لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق تصعيد عسكري متسارع أعقب انطلاق الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، وهو ما دفع أسعار الخام الأمريكي إلى تسجيل قفزة إجمالية تقدر بنحو 70 في المائة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، في واحدة من أسرع موجات الصعود التي عرفتها الأسواق النفطية خلال السنوات الأخيرة.

غير أن ما يثير قلق المتعاملين في الأسواق ليس فقط الارتفاع السريع للأسعار، بل أيضاً هشاشة الوضع الجيوسياسي الذي يهدد أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في العالم. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال المتداولة عالمياً، بات شبه مشلول بفعل المخاوف الأمنية المتزايدة، وهو ما يضع الإمدادات العالمية تحت ضغط غير مسبوق.

ورغم بعض الجهود الدولية الرامية إلى احتواء الوضع وضمان استمرار حركة الملاحة في المنطقة، فإن القلق لا يزال مسيطراً على الأسواق. فقد أعلنت الولايات المتحدة عن آلية لإعادة التأمين تهدف إلى تغطية المخاطر المرتبطة بعبور السفن عبر مضيق هرمز، كما بدأت بالتنسيق مع شركات الشحن لتسهيل خروج ناقلات النفط من الخليج، غير أن المخاوف من هجمات محتملة ما زالت تدفع العديد من السفن إلى تجنب المرور عبر هذا الممر البحري الحساس.

في موازاة ذلك، تشير المعطيات الأولية إلى بوادر تباطؤ في الإنتاج النفطي داخل المنطقة، حيث أفادت تقارير بأن بعض الدول المنتجة في الخليج خفضت مؤقتاً مستويات الاستخراج، في وقت تبقى فيه عدد من المنشآت الطاقية عرضة لتهديدات الطائرات المسيّرة أو الضربات العسكرية، ما يزيد من هشاشة منظومة الإمدادات.

هذا التداخل بين المخاطر الجيوسياسية والاضطرابات اللوجستية يثير مخاوف متزايدة من احتمال وقوع صدمة نفطية عالمية، قد تمتد آثارها إلى مختلف مفاصل الاقتصاد الدولي. وقد بدأت انعكاسات هذه التطورات تظهر بالفعل في الأسواق المالية، خصوصاً في آسيا، حيث سجلت عدة بورصات تراجعات ملحوظة بفعل المخاوف من تداعيات الأزمة.

أما بالنسبة للاقتصادات المعتمدة بشكل كبير على استيراد الطاقة، فإن استمرار الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة قد يفتح الباب أمام موجة تضخم جديدة، ويرفع تكاليف الإنتاج الصناعي، ويضع ضغوطاً إضافية على وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، في وقت لم يتعاف فيه الاقتصاد الدولي بالكامل بعد من آثار الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى