التهرب الضريبي.. تضييق الخناق على الشركات الوهمية

بشرى عطوشي
ثلث الشركات المسجلة في المغرب، والبالغ عددها 400 ألف شركة، لم تقدم أي إقرارات ضريبية أو تسدد أي ضرائب لمدة ثلاث سنوات.
وراء هذه الشركات التي تُوصف بـ”الخاملة”، تكمن ظاهرة أكثر إثارة للقلق: نظام مُحكم للاحتيال، وإفلاسات مُدبّرة، وتلاعب ضريبي مُفرط يحرم الدولة من موارد حيوية.
وبينما يستعد المغرب لتطبيق توجيهات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الرامية إلى الحد من استغلال “الثغرات” في التشريعات، يخضع الوسطاء الضريبيون لتدقيق السلطات الضريبية. دراسة معمقة لآليات اقتصاد موازٍ، حيث باتت براعة هذه المخططات محدودة.
يظهر أكثر من 130 ألفًا منهم في السجلات الضريبية دون أن يُظهروا أي نشاط فعلي. بحسب نظام تصنيف إدارة الضرائب، فإن هذه الشركات التي تُصنّف على أنها “غير نشطة” أو “خاملة” لم تُقدّم أي إقرارات ضريبية أو تدفع أي ضرائب على الإطلاق خلال السنوات المالية الثلاث الماضية. هذا الرقم مُذهلٌ عند الأخذ في الاعتبار أن إجمالي عدد الشركات المُسجّلة في المغرب يقارب 400 ألف شركة.
وراء هذا التصنيف الإداري تكمن ظاهرة معروفة في أوساط الأعمال: “الموت المفاجئ” للشركات.
قبل بضع سنوات، تصدّر الاختفاء الغامض لعدد من موزعي الأجهزة المنزلية والشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات والمعدات الإلكترونية عناوين الأخبار، تاركًا الموردين غير المدفوع لهم والدائنين في حيرة من أمرهم.
إلا أن هذه التوقفات المفاجئة وغير المُبرّرة للنشاط لم تكن سوى غيض من فيض. فإلى جانب هذه الاختفاءات المُريبة، يجب إضافة ترسانة كاملة من المخططات المُحكمة التي تُديرها ببراعة ما تُسمّيه نصوص منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “وسطاء الضرائب”.
يُسخّر هؤلاء المهنيون – من مستشارين قانونيين وموثقين ومحاسبين وأمناء – خبراتهم لخدمة العملاء الراغبين في تخفيض أعبائهم الضريبية، حتى لو اقتضى الأمر تجاوز الحدود القانونية.
ومن بين أكثر ابتكاراتهم شيوعًا ما يُعرف بـ”الشركات الخاسرة الوهمية”، وهي شركات تُعلن عن خسائر لمدة أربع سنوات على الأقل، أو تُظهر دخلًا خاضعًا للضريبة يزيد قليلًا عن الحد الأدنى للضريبة.
ولا يعود هذا الأداء المحاسبي إلى تقلبات السوق بقدر ما يعود إلى براعة الشركات الاستشارية.
كما ينتشر أيضًا إنشاء شركات وهمية، وهي هياكل تُنشأ لغرض وحيد هو الاحتيال، فما هي ميزتها؟
فهي تُضفي مظهرًا من الشرعية مع حماية هوية المالك الحقيقي للأموال.
وبذلك، يُصبح من الممكن غسل الأموال المشبوهة المصدر عن طريق مزجها بمعاملات مشروعة ثم تحويلها إلى كيانات أخرى، مما يُخفي أثرها نهائيًا.
لكنّ الحيلة الأكثر شيوعًا، والتي غذّت “مستحقات الضرائب المتأخرة” للدولة لسنوات – تلك الديون الضريبية غير المدفوعة التي تصل إلى مليارات الدراهم – هي حيلة “شركة فينيكس”.
تبدو الآلية بسيطة ظاهريًا: تُنقل أصول شركة متعثرة إلى شركة جديدة، تُنشأ لهذا الغرض، غالبًا من قِبل المالكين أنفسهم. ثم تُصفّى الشركة الأصلية، بعد تجريدها من أصولها، تاركةً وراءها ديونًا ودائنين لم تُسدّد لهم. وتُترك سلطات الضرائب، الدائن المفضل، في وضعٍ صعب.
في هذه الأثناء، تنهض الشركة الجديدة من الرماد، أكثر نقاءً وثراءً، جاهزةً لبدء الدورة من جديد. مع أن إنشاء شركة جديدة على أنقاض شركة فاشلة ليس غير قانوني في حد ذاته، إلا أن الاحتيال يحدث عندما يتم نقل الأصول بأقل من قيمتها السوقية، عادةً لصالح هيكل يُسيطر عليه المديرون أنفسهم. تهدف هذه المناورة إلى تقليل الأموال المتاحة لسداد الدائنين بطريقة احتيالية بمجرد إعلان إفلاس الشركة الأصلية.
هل انتهى عصر “المناطق الرمادية”؟ قد يكون هذا النظام، الذي ازدهر بفضل “غموض” التشريعات وثغرات الرقابة، على وشك الانتهاء. يستعد المغرب لتطبيق توجيه صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مصمم خصيصًا لمكافحة إساءة استخدام هذه “المناطق الرمادية”.
يهدف النص إلى تعزيز الشفافية والتعاون بين الهيئات الوطنية، لا سيما في المناطق الحرة، وهي مناطق تتمتع فيها البضائع بإعفاءات جمركية، وتُستخدم أحيانًا كأداة في مخططات الاحتيال الدولية.
في هذا السياق الجديد، أصبح الوسطاء الضريبيون “أشخاصًا عرضة للخطر”. ففي الحالات التي يُشتبه فيها بالاحتيال وتُحال إلى المحاكم، يُمكن تحميلهم المسؤولية الجنائية.
وتشمل الخدمات غير القانونية التي يقدمونها إخفاء الدخل، وإخفاء طبيعة مصادر الربح، والنصائح للتهرب من الالتزامات الضريبية عبر وثائق مزورة أو إقرارات كاذبة – تخضع للتدقيق من قبل الإدارات، بما في ذلك في المغرب.





