ملف التعمير بتازة بين الحقيقة والمغالطة.. من يحاول توجيه النقاش؟

جمال بلـــة
تازة- في إطار الإلتزام المهني لجريدة إعلام تيفي لكشف الحقائق وتنوير الرأي العام التازي، نفتح اليوم أحد أكثر الملفات سخونة وتعقيدا ملف التعمير.
إن الجريدة، ومنذ أن وضعت على عاتقها أمانة إظهار الحقيقة، تابعت عن كثب مجموعة من التجاوزات التي لم تعد مجرد “أخطاء إدارية”، بل تحولت إلى ظاهرة تثير قلق الساكنة والفاعلين الحقوقيين والمستثمرين.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يوضع فيها ملف التعمير بتازة تحت المجهر؛ فقد سبق لوزارة الداخلية أن أوفدت لجان تفتيش مركزية باشرت تحقيقاتها في عدة جماعات ترابية بالإقليم، وأشارت النتائج الأولية إلى تورط مسؤولين محليين وموظفين في قضايا تتعلق بـ الرشوة وجرائم التعمير يرى متتبعون للشأن المحلي أن ملف التعمير في تازة أضحى يدار بمنطق “المقايضة السياسية”، حيث تستعمل التراخيص كأوراق ضغط بين الأقطاب السياسية داخل المجلس الجماعي، هذا الوضع أدى إلى تعثر العديد من المشاريع التنموية وبقاء ملفات منعشين آخرين “عالقة” في رفوف المجلس الجماعي دون حلول جذرية.
ولا يزال ملف التعمير بمدينة تازة يثير الكثير من النقاش في الأوساط المحلية، خاصة في ظل ما يتم تداوله من معطيات وتأويلات متباينة حول عدد من الملفات المرتبطة بالبناء والتجزئات، غير أن ما يلاحظ في خضم هذا الجدل هو أن بعض النقاشات انزلقت أحيانا نحو نشر مغالطات أو تقديم معلومات مبتورة، الأمر الذي يطرح سؤال الحقيقة وسط ضجيج الاتهامات المتبادلة، بحكم حساسية قطاع التعمير وارتباطه المباشر بتنظيم المجال الحضري والاستثمار العقاري، وغالبا ما يتحول إلى موضوع للتجاذبات السياسية أو لتبادل الاتهامات، خاصة عندما يتم تداول المعطيات خارج سياقها القانوني أو التقني، غير أن عددا من الوقائع والوثائق المرتبطة ببعض الملفات بدأت، بحسب مصادر موثوقة، تكشف تدريجيا عن الصورة الكاملة لبعض القضايا التي أثير حولها الكثير من الجدل.
وفي هذا السياق، يؤكد مهتمون بالشأن المحلي من مصادرنا أن نشر المغالطات قد ينجح أحيانا في خلق حالة من التشويش أو التأثير المؤقت على الرأي العام، لكنه سرعان ما يصطدم بالمعطيات القانونية والوثائق الرسمية التي تبرز حقيقة الملفات. وهو ما يجعل بعض الأطراف التي سارعت إلى توجيه الاتهامات تجد نفسها أمام معطيات قد تقلب المعادلة، فيما يشبه المثل القائل “إن السحر قد ينقلب على الساحر”.
وفي ظل استمرار النقاش حول عدد من الملفات التعميرية بمدينة تازة، يبقى الرهان الأساسي هو تقديم المعطيات الدقيقة للرأي العام، وفتح نقاش مسؤول قائم على الوقائع بدل الانجرار وراء التأويلات أو الأخبار غير المؤكدة.
فالحقيقة، قد تتأخر أحيانا في الظهور، لكنها في النهاية تفرض نفسها، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات موثقة بوثائق ومعطيات قانونية لا تترك مجالا كبيرا للتأويل أو التشكيك، وفي مثل هذه الحالات، قد تتحول الحملات المبنية على المغالطات إلى عامل يكشف الحقائق بدل أن يخفيها.
خاصة بعد تداول معطيات واتهامات عبر بعض المنابر والوسائط الرقمية تتحدث عن اختلالات في تدبير ملفات التجزئات السكنية ومنح شواهد التسليم المؤقت للأشغال، غير أن هذا النقاش، الذي يفترض أن يظل في إطار البحث عن الحقيقة وتعزيز الشفافية، بدأ في بعض الأحيان يأخذ منحى آخر، يختلط فيه المعطى المهني بالقراءات السياسية الضيقة.
وحتى لا يتيه من يحاول توجيه النقاش لابد أن نذكره بأن قطاع التعمير والقضايا المرتبطة بالتجزئات السكنية أو شواهد التسليم المؤقت للأشغال تخضع لمساطر قانونية وتقنية معقدة تشارك فيها عدة مؤسسات، من بينها عمالة الإقليم، والوكالة الحضرية، والجماعة والمصالح التقنية المختصة، وهو ما يجعل تناول هذه الملفات في الفضاء الإعلامي يتطلب قدرا كبيرا من الدقة والموضوعية لتفادي الوقوع في التعميم أو إطلاق أحكام غير مؤسسة، لأن خلط الوقائع التقنية بالصراعات السياسية قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام المحلي، خاصة عندما يتم تقديم بعض المعطيات على أنها حقائق ثابتة دون الاستناد إلى تقارير رسمية.
في هذا السياق يمكننا طرح تساؤلا محوريا هل يتعلق الأمر فعلا بكشف اختلالات تستوجب التدقيق والتحقيق، أم أن بعض ما يتم تداوله يدخل في إطار توظيف ملف التعمير كورقة ضغط في سياق تجاذبات سياسية محلية؟
وبين هذا الطرح وذاك، وفي تطور يثير الدهشة والتساؤلات، كشفت مصادر مطلعة عن مجموعة من ملفات التعمير وهي “غيض من فيض” والتي كانت تحت طائلة الرفض لشهور، قبل أن تحصل فجأة على الضوء الأخضر “بقدرة قادر”، دون تفسير رسمي أو مبرر قانوني واضح، هذه الحالات، التي تشمل طلبات تراخيص بناء، مشاريع استثمارية، وملفات دعم حكومي، أعادت إشعال نقاش حول آليات اتخاذ القرارات في المجلس الجماعي.
في ظل ما يتم تداوله من معطيات وتأويلات متباينة بخصوص مجموعة من الملفات وعلى رأسها مشروع “شامة 2”، إضافة إلى ملفات أخرى تتعلق برخص السكن والبناء وتغيير طبيعة بعض المشاريع السكنية.
الملف الاول تجزئة “شامة 2” بجماعة تازة، برزت الحاجة إلى توضيح بعض الحقائق المرتبطة بمحضر الاجتماع المنعقد بمقر عمالة إقليم تازة يوم 8 يناير 2026، وذلك بهدف تنوير الرأي العام المحلي وتقديم المعطيات المرتبطة بهذا الملف في سياقها القانوني والإداري الصحيح.
وحسب المعطيات المرتبطة بهذا الملف، فقد انعقد اجتماع رسمي على الساعة العاشرة صباحا بمقر عمالة تازة تحت رئاسة الكاتب العام للعمالة، وبحضور عدد من المسؤولين وممثلي المصالح المعنية، من بينهم ممثلو جماعة تازة والوكالة الحضرية تازة – تاونات، إلى جانب ممثلين عن مصالح التعمير والبيئة بالعمالة، ومصالح المحافظة العقارية والمسح العقاري، إضافة إلى ممثلين عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس.
وقد خصص الاجتماع لدراسة مضمون مراسلة رئيس جماعة تازة الموجهة إلى مصالح عمالة الإقليم بخصوص الإشكال المرتبط بعرض طريق التهيئة رقم 169 ضمن مشروع تجزئة “شامة2” ذات الرسم العقاري عدد 21/4595، خاصة ما يتعلق بالاختلاف المسجل بين العرض المحدد في بعض الوثائق المرجعية والعرض المعتمد في التصاميم التقنية التي رخص للمشروع بناء عليها.
وخلال الاجتماع تم استحضار مختلف الوثائق والمعطيات التقنية والقانونية المرتبطة بالمشروع، من بينها بطاقة المعلومات الصادرة عن الوكالة الحضرية، إضافة إلى محضر اجتماع اللجنة المركزية المكلفة بدراسة مشروع تصميم التهيئة لمدينة تازة وجزء من المنطقة المحيطة بها، المنعقد بمقر وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة يومي 29 و30 يونيو 2016.
وقد أفضت مداولات تلك اللجنة، في إطار دراسة تعرضات العموم واقتراحات المجالس الجماعية المعنية، إلى اتخاذ قرار يقضي بتقليص عرض الطريق رقم 169 من 30 مترا إلى 20 مترا، وهو القرار الذي تم اعتماده في إطار الوثائق التعميرية المرتبطة بالمشروع.
كما تم التذكير خلال الاجتماع بأن صاحب مشروع التجزئة، تقدم لدى مصالح جماعة تازة بتصريح بانتهاء أشغال التجهيز الخاصة بالمشروع، وذلك وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
وفي هذا السياق، تمت الإشارة إلى أن اللجنة المكلفة بتسلم أشغال التجهيز في مثل هذه المشاريع ينحصر دورها، وفقا لمقتضيات القانون رقم 25.90 المتعلق بإحداث التجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، في التحقق من مدى مطابقة الأشغال المنجزة للتصاميم الهندسية والتقنية التي تم الترخيص بها.
وتنص المواد 23 و24 و25 و26 من القانون المذكور بشكل صريح على أن عملية تسلم الأشغال تقتصر على مراقبة مدى احترام المشروع للتصاميم المرخصة، دون أن تمتد صلاحيات اللجنة إلى تعديل المعطيات التقنية أو إعادة دراسة عناصر المشروع التي سبق أن تمت المصادقة عليها وفق المساطر القانونية المعمول بها.
ويأتي نشر هذه المعطيات في سياق الحرص على تنوير الرأي العام المحلي وتوضيح خلفيات هذا الملف، خاصة في ظل تداول بعض المعلومات التي قد لا تعكس الصورة الكاملة للوقائع المرتبطة بمشروع تجزئة “شامة 2″، بما يضمن تقديم النقاش حول هذا الموضوع في إطار مبني على المعطيات القانونية والإدارية الدقيقة.
ولتوضيح اكثر وبحسب هذه المعطيات، فإن مشروع “شامة 2” تم الترخيص له في إطار القوانين والمساطر المعمول بها، بعد استيفائه لجميع الشروط المطلوبة، وذلك تحت إشراف العامل السابق للإقليم وفي إطار المساطر الإدارية المرتبطة بدراسة ملفات التجزئات السكنية.
ويعود أصل الإشكال المرتبط بهذا المشروع، وفق المصادر ذاتها، إلى طريق التهيئة رقم 169، الذي كان محدداً في تصميم التهيئة بعرض 30 متراً، قبل أن يتم تقليصه إلى 20 متراً عقب دراسة التعرضات التي صاحبت إعداد تصميم التهيئة لمدينة تازة.
ففي سنة 2015، شرعت مدينة تازة في إعداد تصميم التهيئة الخاص بها، حيث تم عرض المشروع على اللجنة المركزية المكلفة بدراسة الوثائق التعميرية، وذلك تحت إشراف وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان. وقد حضر هذا الاجتماع عدد من المسؤولين، من بينهم مدير الوكالة الحضرية ورئيس جماعة تازة آنذاك جمال المسعودي.
وخلال أشغال هذه اللجنة، تم النظر في مختلف التعرضات المقدمة بخصوص تصميم التهيئة، حيث تقرر، بناءً على أحد هذه التعرضات، تقليص عرض طريق التهيئة رقم 169 من 30 متراً إلى 20 متراً، وهو ما تم تضمينه في محضر اللجنة المركزية، غير أنه، وفق ما يتم تداوله، لم تتم الإشارة إلى هذا التعديل بشكل واضح في التصميم النهائي، وهو ما فتح الباب لاحقا أمام عدد من التأويلات والنقاشات.
وفي سياق متصل، يثار نقاش آخر حول امتناع المجلس الجماعي عن منح رخص السكن لصاحب مشروع سكني يوجد قرب محطة سيارات الأجرة، رغم تأكيد بعض المصادر أن المشروع استوفى الشروط القانونية المطلوبة للحصول على هذه الرخصة.
كما يطرح متابعون للشأن المحلي تساؤلات بخصوص ملف مشروع “كلينيك أكديطال”، الذي يواجه بدوره صعوبات مرتبطة باستكمال مساطر الترخيص، رغم أن رخصة الهدم والبناء سبق توقيعهما، إضافة إلى أداء جميع الرسوم والواجبات المفروضة من طرف مصالح الجبايات.
ومن الملفات الأخرى التي أثارت النقاش كذلك، مشروع تحويل السكن الاقتصادي المتواجد قرب ” مقبرة السعادة ” إلى سكن مدعم، حيث تشير المعطيات إلى أن المشروع حظي بموافقة كل من مصالح العمالة والوكالة الحضرية، غير أن المجلس الجماعي ظل مترددا في اتخاذ موقف نهائي قبل أن يمنح الموافقة في نهاية المطاف، وهو ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا التردد.
كما برزت إشكالات أخرى مرتبطة ببعض المشاريع العقارية، من بينها مشروع “مصحة متعددة التخصصات”، حيث تم الترخيص لصاحب المشروع بفتح واجهة خلفية، قبل أن تتم مراسلته لاحقا من طرف الجماعة لإغلاقها، في حين تشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع استمر في البناء مع الإبقاء على الترخيص المتعلق بالواجهة الخلفية، ودائما السؤال ينتظر جواب شافي وصريح كيف اقنع صاحب المشروع الجماعة لتتنازل عن قرار اغلاق الواجهة الخلفية؟
وفي ملف آخر يتعلق بمشروع سكني بزنقة قسو أومداح، أثيرت تساؤلات حول ما اعتبره بعض المتابعين تضليلا للسلطة الإقليمية بشأن موقف المجلس الجماعي من الترخيص بفتح الواجهة الخلفية للمشروع، بحجة ان الطريق المتواجدة خلف المشروع في ملك الغير في ملك خاصة أن المشروع يوجد بالقرب من مشروع “كلينيك دياليز” الذي سبق الترخيص له بنفس الأمر.
ويأتي هذا الجدل في وقت ينتظر فيه الرأي العام المحلي توضيحات أكبر حول عدد من ملفات التعمير بمدينة تازة، خاصة في ظل تعدد المشاريع المثارة وتباين المواقف بشأنها، بما يضمن وضوح المساطر واحترام القوانين المنظمة لهذا القطاع الحيوي.
وفي تناقض واضح وصريح بين أمرين لا يجتمعان جماعة تازة بعد الرفض بحجة أن المساحة المتبقية من العقار في ملك الغير ترد بجواب رسمي على شكاية مواطنين بخصوص الملك المسمى “جانو”، وذلك عقب الشكاية التي سبق أن تقدموا بها لدى مصالح الجماعة بتاريخ 17 نونبر 2025، والمسجلة تحت عدد 5742، والمتعلقة بوضعية الملك المسمى “جانو” ذي الرسم العقاري عدد 865ف.
وجاء في جواب الجماعة أن العقار المذكور كان موضوع رخصة لتجزئة سكنية تحمل رقم 9516، صادرة بتاريخ 26 يونيو 1972، حيث تم الترخيص بإنجاز تجزئة سكنية فوق هذا الملك وفق المساطر المعمول بها آنذاك.
كما أوضح الرد أن أشغال تجهيز التجزئة المعنية تم إنجازها، حيث صدرت شهادة إنجاز الأشغال تحت عدد 5678 بتاريخ 3 نونبر 1972، وهو ما يؤكد استكمال مختلف المراحل المرتبطة بتهيئة هذه التجزئة وفق الوثائق والتصاميم المصادق عليها.
وأضافت جماعة تازة في جوابها أن المساحة المتبقية من العقار المذكور تدخل ضمن الطرقات الخاصة بالتجزئة، كما هو مبين في تصميم التجزئة وبرنامجها، الموقعين من طرف صاحب المشروع عند إحداث التجزئة.
ويأتي هذا التوضيح في إطار الرد على الشكاية التي تقدم بها المعنيون بالأمر، والتي استفسروا من خلالها عن الوضعية القانونية للعقار المذكور وطبيعة المساحة المتبقية منه.
وينتظر أن يساهم هذا الجواب في توضيح المعطيات المرتبطة بالملف، خاصة فيما يتعلق بالوثائق التعميرية التي تؤطر التجزئة السكنية المعنية، وذلك في إطار الحرص على تقديم المعلومات المرتبطة بمثل هذه القضايا وفق المعطيات الإدارية والقانونية المتوفرة لدى مصالح الجماعة.
وإننا في جريدة إعلام تيفي، إذ نضع هذه المعطيات أمام المواطنين والجهات المسؤولية، نؤكد أن حماية المجال العمراني لمدينة تازة هي حماية لمستقبل أجيالها، ونحن مستمرون في تتبع خيوط هذا الملف، وسنوافيكم بكل جديد فور ورود معطيات إضافية من مصادرنا.









