الصدأ الذي يفضح الصفقات.. عندما تتحول التجهيزات العمومية إلى اختبار لمصداقية التدبير

بشرى عطوشي
تحليل_ في عدد متزايد من المدن المغربية، خصوصاً تلك القريبة من السواحل، بدأت ملامح تآكل واضحة تظهر على العديد من التجهيزات العمومية المعدنية: حواجز حديدية فقدت بريقها، تجهيزات حدائق عمومية أصابها الصدأ، وملاعب ترفيهية للأطفال تحولت إلى هياكل متآكلة قبل أن تستوفي حتى نصف عمرها الافتراضي. هذه الظاهرة لم تعد مجرد ملاحظة عابرة في الفضاء الحضري، بل تحولت إلى مؤشر مقلق يكشف خللاً أعمق في منظومة تدبير الصفقات العمومية.
فالمنطق التقني البسيط يفرض أن التجهيزات المعدنية التي توضع في بيئات رطبة، خاصة بالمناطق الساحلية، يجب أن تُصمم وفق معايير دقيقة تأخذ بعين الاعتبار تأثير الرطوبة والملوحة والظروف المناخية طويلة الأمد. هذا ما تفرضه المعايير الدولية في الهندسة الحضرية، وما يفترض أن تتضمنه دفاتر التحملات في الصفقات العمومية. لكن الواقع الميداني يكشف شيئاً مختلفاً: تجهيزات حديثة نسبياً بدأت تتآكل بسرعة غير مبررة، وكأن المواد المستعملة لم تُختر لتعيش في هذا المناخ أصلاً.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تمر مثل هذه الصفقات عبر مسار المنافسة والتقييم التقني إذا كانت نتائجها على الأرض لا تعكس الحد الأدنى من الجودة والمتانة؟ فالمعروف أن الصفقات العمومية في المغرب تمر عبر مساطر دقيقة تتضمن فتح الأظرفة، ودراسة العروض التقنية والمالية، ومطابقة المشاريع لدفاتر التحملات التي يفترض أنها تحاكي المعايير الدولية. ومع ذلك، فإن النتيجة النهائية توحي بوجود فجوة واضحة بين النصوص والتنفيذ.

الخلل إذن لا يمكن اختزاله فقط في مستوى الجماعات المحلية أو الشركات المنفذة، بل يتجاوز ذلك ليطرح مسؤولية مؤسسات الرقابة العليا، وفي مقدمتها مجلس الحسابات المغربي. فهذه المؤسسة الدستورية أُنشئت أساساً لضمان حسن تدبير المال العام، ومراقبة مدى احترام الصفقات العمومية لمعايير الشفافية والجودة والنجاعة. وعندما تتحول تجهيزات عمومية حديثة إلى هياكل صدئة في ظرف وجيز، فإن الأمر لا يتعلق فقط بسوء اختيار مواد البناء، بل بمؤشر على ضعف في منظومة المراقبة القبلية والبعدية.
إن الصدأ الذي يظهر اليوم على الحواجز الحديدية وتجهيزات الحدائق ليس مجرد تآكل معدني؛ إنه أيضاً صدأ يطال الثقة في كيفية صرف المال العام. فكل تجهيز يتآكل بسرعة يعني عملياً أن عمره الاستثماري تقلص، وأن الجماعات ستضطر عاجلاً أم آجلاً إلى إعادة إصلاحه أو استبداله، وهو ما يفتح الباب أمام دورة جديدة من النفقات والصفقات.
من هنا يصبح دور مجلس الحسابات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمطلوب ليس فقط إعداد تقارير دورية بعد وقوع الاختلالات، بل أيضاً تعميق الافتحاصات التقنية للصفقات التي تخص البنية التحتية والتجهيزات العمومية، خاصة في البيئات الحساسة مناخياً مثل المدن الساحلية. كما أن مساءلة الجهات التي أعدت دفاتر التحملات، أو تلك التي صادقت على جودة المواد المستعملة، يجب أن تكون جزءاً أساسياً من هذه الرقابة.
المواطن الذي يتجول في حديقة عمومية أو على كورنيش بحري لا يقرأ دفاتر التحملات ولا يتابع مساطر فتح الأظرفة، لكنه يرى بعينه النتيجة النهائية: تجهيزات تآكلت بسرعة، وأموال عمومية صرفت دون أن تحقق القيمة التي خُصصت من أجلها. وهذه الصورة الميدانية كفيلة بطرح سؤال أكبر حول فعالية منظومة الحكامة في تدبير المشاريع العمومية.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط إصلاح الحواجز الصدئة أو إعادة طلاء المعدات المعدنية، بل تتطلب قبل ذلك إعادة النظر في طريقة تدبير الصفقات، وفي آليات المراقبة التي يفترض أن تمنع مثل هذه الاختلالات قبل أن تظهر على أرض الواقع. فالمحاسبة، في نهاية المطاف، ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي الضمان الحقيقي لكي لا يتحول الفضاء العمومي إلى معرض دائم لآثار الصدأ… ولآثار سوء التدبير.





