وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا”… حين يتحول الغلاء إلى ثقافة

بشرى عطوشي 

رأي_ قال الله تعالى: “وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا”، وهي آية تحمل في طياتها معنى عميقاً يرتبط بسلوك الإنسان حين يكرر نفس الأخطاء رغم وضوح العبر والدروس. وفي السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المغرب اليوم، تبدو هذه الآية أقرب ما تكون إلى توصيف حالة تتكرر مع كل موسم من مواسم الاستهلاك، وعلى رأسها موسم عيد الأضحى.

ففي الآونة الأخيرة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي العديد من المقاطع المصورة لعدد من الكسابة ومربي الماشية وهم يتحدثون بثقة عن أسعار مرتفعة للأضاحي، بل ويُلوّح بعضهم بأن العيد المقبل سيشهد أثماناً “خيالية”.

المبررات التي تُطرح غالباً تتمحور حول غلاء الأعلاف وتوالي سنوات الجفاف التي أثرت على القطيع الوطني، وهي معطيات لا يمكن إنكارها بالكامل. غير أن ما يثير التساؤل هو الإصرار على تجاهل واقع آخر لا يقل أهمية: الأمطار التي عرفتها البلاد هذا الموسم، والمراعي الطبيعية التي استعادت جزءاً من عافيتها، وهو ما خفف نسبياً من كلفة التغذية والرعي بالنسبة لعدد كبير من المربين.

الأمر الأكثر إثارة للانتباه أن المغرب كان قد ألغى ذبح الأضاحي في السنة الماضية في محاولة لحماية القطيع الوطني وتخفيف الضغط على السوق، وهو قرار حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن الظرفية كانت استثنائية وتستوجب التضامن بين مختلف الفاعلين. لكن يبدو أن بعض الكسابة ينظرون اليوم إلى جيوب المواطنين باعتبارها وسيلة لتعويض سنوات سابقة، وكأن الخسائر التي تكبدها القطاع يجب أن يتحملها المستهلك وحده.

المفارقة أن الكساب نفسه هو مواطن يعيش داخل نفس المجتمع، ويعاني بدوره من غلاء المواد الغذائية والوقود ومختلف تكاليف المعيشة. لكنه، حين يقف في موقع البائع، ينسى أنه جزء من نفس الدائرة الاقتصادية التي يتأثر فيها الجميع بقرارات بعضهم البعض. وهنا تتحول المعادلة إلى حلقة مفرغة: مواطن يثقل كاهل مواطن آخر، وكل طرف يحاول تعويض خسائره على حساب الآخر.

في هذا السياق يطرح سؤال أخلاقي قبل أن يكون اقتصادياً: هل أصبح من الطبيعي أن تتحول المناسبات الدينية والاجتماعية إلى فرص لتعويض الخسائر وتحقيق الأرباح المضاعفة؟ أم أن هذه المناسبات كانت في الأصل لحظات للتكافل والتيسير بين الناس؟

إن المشكلة ليست في تحقيق الربح المشروع، فذلك حق طبيعي لكل فلاح أو مربٍ للماشية، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الربح إلى جشع، وحين يُغض الطرف عن النعم التي تحققت هذا الموسم، من أمطار ومراعي خضراء أعادت الحياة إلى العديد من المناطق القروية. فالتاجر أو الكساب الذي لا يرى إلا الخسارة الماضية ويتجاهل الخير الحاضر، يعيش في حالة من التشاؤم الدائم الذي ينعكس مباشرة على السوق وعلى المجتمع.

وهنا يعود صدى الآية الكريمة: “وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا”، وكأنها تذكير بأن تكرار نفس السلوكيات يؤدي دائماً إلى نفس النتائج. فإذا استمر منطق المغالاة في الأسعار، فإن النتيجة ستكون مزيداً من الاحتقان الاجتماعي، وتراجع القدرة الشرائية، وربما عزوف فئات واسعة من المواطنين عن هذه الشعيرة التي أصبحت بالنسبة للكثيرين عبئاً مالياً ثقيلاً.

إن ما يحتاجه السوق اليوم ليس فقط المطر الذي ينزل من السماء، بل أيضاً شيء من القناعة التي تنزل في القلوب. فالمجتمع لا يمكن أن يستقيم إذا حاول كل طرف أن يعوض خسائره على حساب الآخر. والكساب، قبل أن يكون تاجراً، هو مواطن يعيش وسط مجتمع يتقاسم معه نفس التحديات ونفس الأزمات.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل سيتحول موسم عيد الأضحى إلى لحظة تضامن حقيقي بين المنتج والمستهلك، أم سيظل مناسبة تتجدد فيها نفس الممارسات التي تجعل المواطن يشعر أن السوق لم تعد تعرف سوى منطق الربح… ولو على حساب القدرة الشرائية للناس؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى