تقرير اليونسكو يكشف فجوة بين خطاب الإصلاح وواقع مدارس الريادة

حسين العياشي
كشف تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عن صورة مقلقة لوضعية التعليم بالمغرب، في قراءة تبدو مناقضة للرواية الرسمية التي تتحدث عن تحسن ملموس في مستوى التلاميذ بعد إطلاق مشروع “المدرسة الرائدة”.
فبينما تؤكد المعطيات الرسمية وجود نتائج إيجابية، خاصة على مستوى تحسين التعلمات الأساسية، يرسم تقرير “رصد التعليم 2026” ملامح واقع أكثر تعقيدًا، حيث يشير إلى أن شريحة واسعة من التلاميذ لا تزال دون الحد الأدنى من الكفاءة في مواد أساسية كقراءة النصوص وحل المسائل الرياضية، وهي وضعية تتفاقم بشكل أوضح مع الانتقال إلى المرحلة الإعدادية.
وفي المقابل، كان وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد برادة، قد دافع عن حصيلة مشروع “مدارس الريادة”، معتبراً أن نتائجه “إيجابية جدًا”، ومبرزًا أن حوالي 70 في المائة من التلاميذ أظهروا تحسنًا ملحوظًا في مستواهم، مع تسجيل قفزات في نتائج الرياضيات واللغات. غير أن تقرير اليونسكو يضع هذه المؤشرات في سياق أوسع، يبرز استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق تحول نوعي في المنظومة.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير عن نزيف حاد في مسار التمدرس، إذ يغادر نحو 16 في المائة من التلاميذ مقاعد الدراسة قبل إتمام المرحلة الابتدائية، لترتفع النسبة إلى 53 في المائة في الإعدادي، وتبلغ 74 في المائة في الثانوي، ما يعني أن أقل من ثلث التلاميذ فقط يصلون إلى نيل شهادة البكالوريا. وهي مؤشرات تعكس فقدانًا تدريجيًا لأعداد كبيرة من المتعلمين عبر مختلف الأسلاك.
ورغم تسجيل التقرير لبعض النقاط الإيجابية، من قبيل ارتفاع الإنفاق العمومي على التعليم، وتحسن تكوين الأساتذة، والتوسع اللافت في التعليم الأولي، إلا أنه نبّه إلى استمرار وجود عشرات الآلاف من الأطفال خارج المنظومة التعليمية، إلى جانب تفشي ظاهرة التكرار، خصوصًا في المرحلة الإعدادية، حيث يتجاوز سن عدد من التلاميذ المستوى الدراسي الذي يتابعونه.
ولا يقف الأمر عند حدود الأرقام، إذ يبرز التقرير تأثير العوامل الاجتماعية والمجالية في تعميق الفوارق التعليمية، حيث يواجه تلاميذ العالم القروي صعوبات مضاعفة في الاستمرار الدراسي، خاصة بعد الابتدائي، في ظل محدودية البنيات وظروف العيش. كما يظل الوضع الاقتصادي للأسر عاملًا حاسمًا في تحديد فرص النجاح، ما يجعل مسار التمدرس رهينًا بمتغيرات تتجاوز أسوار المدرسة.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن مؤشرات تحسن، وتقييم دولي يرصد أعطابًا مستمرة، تتجلى مفارقة تعكس حجم التحدي الذي يواجه إصلاح التعليم بالمغرب، حيث لا يكفي تطوير البرامج والمشاريع دون معالجة الجذور العميقة للاختلالات، في سياق يفرض إعادة التفكير في فعالية السياسات المعتمدة وقدرتها على تحقيق الإنصاف والجودة معًا.





