بفارق 30 مليار درهم.. اليماني يكشف أرقامًا صادمة عن كلفة غياب التكرير

حسين العياشي

كشف تصاعد التوترات في الشرق الأوسط عن هشاشة معادلة الطاقة عالمياً، وأعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً داخل المغرب حول جدوى الخيارات التي حكمت هذا القطاع لسنوات. فمنذ اندلاع المواجهات نهاية فبراير، قفز سعر برميل النفط إلى مستويات غير مسبوقة خلال فترة وجيزة، منتقلاً من 73 دولاراً إلى 114 دولاراً، أي بزيادة تناهز 56 في المائة، بينما سجلت أسعار الغازوال ارتفاعاً أكثر حدّة، تضاعف تقريباً ليصل إلى نحو 1400 دولار للطن.

وفي تصريح خص به “إعلام تيفي”، اعنبر الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز (CDT) ورءيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، أن هذا التفاوت في الارتفاع لا يعكس فقط تقلبات السوق، بل يكشف بوضوح القيمة المضافة التي تولدها عمليات تكرير البترول، والتي تجعل كلفة المنتجات المكررة ترتفع بوتيرة أسرع من النفط الخام. وباحتساب سعر الصرف، يصل ثمن اللتر الواحد من النفط الخام إلى حوالي 6.7 دراهم، مقابل 10.93 دراهم للغازوال في السوق الدولية، ما يعني فارقاً يتجاوز 4 دراهم للتر الواحد.

وعند إسقاط هذه الأرقام على الاستهلاك الوطني، الذي يناهز 7 مليارات لتر سنوياً من الغازوال، يتضح أن الفارق المالي يقترب من 30 مليار درهم، دون احتساب باقي المشتقات البترولية. معطى يقدمه اليماني كدليل مادي على الأهمية الاستراتيجية للتكرير، في مواجهة ما يعتبره “خطاباً مروّجاً” لطي صفحة هذا النشاط بالمغرب، خاصة بعد تعثر مصفاة المحمدية.

غير أن هذا النقاش يتجاوز الأرقام إلى سياق دولي أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع أزمات متلاحقة؛ من الحرب في أوكرانيا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد بعد جائحة كورونا، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية الحالية. كلها عوامل، وفق القراءة ذاتها، تفرض إعادة التفكير في مفهوم السيادة الطاقية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق، يطرح اليماني مراجعة شاملة للسياسات التي تم اعتمادها في قطاع المحروقات، بدءاً من خوصصة التوزيع في منتصف التسعينيات، مروراً بتفويت نشاط التكرير، وصولاً إلى قرار تحرير الأسعار، معتبراً أن هذه الخيارات ساهمت في إضعاف قدرة البلاد على التحكم في سوقها الداخلية.

وتنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، إذ يرتقب أن يبلغ سعر لتر الغازوال في السوق الوطنية حوالي 18 درهماً، بعد احتساب الضرائب وهوامش التوزيع وتكاليف النقل، وهو مستوى يراه غير متناسب مع دخل غالبية المغاربة، حتى مع استمرار الدعم الموجه لقطاع النقل.

أمام هذا الوضع، يحذر المتحدث من بوادر اضطراب في التزود بالمواد الطاقية على الصعيد العالمي، داعياً إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من التضخم وتداعياته الاجتماعية، من بينها مراجعة نظام تسعير المحروقات، وتخفيض العبء الضريبي، وإعادة إحياء نشاط التكرير عبر استرجاع أصول مصفاة المحمدية، إلى جانب إصلاح الإطار القانوني للقطاع وتعزيز الرقابة على المخزونات الاستراتيجية.

كما يشدد على ضرورة إعادة تنظيم قطاع النقل واعتماد آليات مهنية في استهلاك الغازوال، موازاة مع دعم القدرة الشرائية للمواطنين عبر تحسين الأجور والتصدي لممارسات الاحتكار، في أفق بناء منظومة طاقية أكثر توازناً وقدرة على الصمود.

وبين ضغوط السوق الدولية واختلالات التدبير الداخلي، تعود قضية الطاقة إلى صدارة النقاش العمومي، لا باعتبارها ملفاً تقنياً فحسب، بل كرهان سيادي يرسم ملامح الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى