تقرير دولي: المغرب في المرتبة التاسعة اقتصادياً في سوق الحلال.. والريادة ما تزال بعيدة

حسين العياشي
سجّل تقرير حديث صادر عن المركز الإسلامي لتنمية التجارة منعطفاً لافتاً في قراءة موقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي للمنتجات الحلال، بعدما كشف عن سوق دولية آخذة في التوسع بوتيرة متسارعة، مرشحة لبلوغ 3,1 تريليونات دولار في أفق 2027، في وقت يجد فيه المغرب نفسه بين تثبيت الحضور وتحدي الانتقال إلى موقع الريادة.
سوق عالمي يتمدد خارج منطق “القطاع الهامشي”
فمن قلب الرباط، حيث جرى تقديم تقرير “التجارة والاستثمار في الحلال بدول منظمة التعاون الإسلامي 2025” أمام فاعلين عموميين وخواص، برزت صورة مركبة لاقتصاد لم يعد هامشياً، بل تحول إلى رافعة استراتيجية للنمو داخل الدول الإسلامية. وأكدت المديرة العامة للمركز، لطيفة البوعبدلاوي، أن المؤشرات الحالية تحسم الجدل حول طبيعة هذا القطاع، معتبرة أنه لم يعد مجرد سوق متخصصة، بل مجالاً استثمارياً واعداً يفرض نفسه بقوة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية.
أرقام ضخمة.. ومفارقة العجز داخل دول المنظمة
هذا التحول في حجم الرهانات تؤكده أيضاً الأرقام الصلبة، إذ بلغت نفقات المستهلكين المسلمين حوالي 2,4 تريليون دولار سنة 2023، مع توقعات بارتفاعها إلى 3,1 تريليونات خلال أقل من ثلاث سنوات. غير أن هذه الدينامية تخفي مفارقة لافتة، إذ لا تزال دول منظمة التعاون الإسلامي عاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، مسجلة عجزاً تجارياً يفوق 59 مليار دولار، نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد من خارج الفضاء الإسلامي.
المغرب في موقع متوسط.. حضور دون قيادة
ضمن هذه الخريطة العالمية، يظهر المغرب في موقع متوسط يعكس حضوراً قائماً دون أن يرقى بعد إلى مستوى القيادة. فالتقرير يضعه في المرتبة التاسعة، وهو ترتيب يعكس إمكانيات قائمة لكنها لم تتحول بعد إلى تفوق تنافسي واضح. وتكشف المؤشرات القطاعية هذا التباين بشكل أدق، حيث يحتل المغرب المرتبة الرابعة عالمياً في السياحة الحلال، مقابل مراتب متوسطة في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل والنسيج.
تفوق سياحي مقابل تعثر صناعي
هذا التفاوت يبرز مفارقة واضحة: المغرب يحقق أداءً قوياً في السياحة الحلال بفضل جاذبيته الدولية، لكنه لا يزال يواجه صعوبات في تحويل قطاعات إنتاجية كالصناعة الغذائية أو الدوائية إلى محركات تصدير قوية، قادرة على المنافسة داخل السوق العالمية.
استثمارات محدودة.. وإشارات إيجابية معزولة
وعلى مستوى الاستثمارات، لا يزال المغرب في مرحلة البحث عن الإقلاع، إذ لم يسجل سوى ثلاث صفقات كبرى سنة 2023، مقارنة بأرقام أكبر بكثير في دول آسيوية وخليجية. ومع ذلك، يشير التقرير إلى وجود مؤشرات واعدة، من بينها استثمار يفوق 70 مليون دولار في قطاع الصناعة الدوائية، ما يعكس إمكانية جذب رؤوس أموال نوعية إذا ما توفرت شروط الثقة والوضوح.
معضلة الاستيراد.. وتحدي خلق القيمة المحلية
غير أن التحدي الأعمق يكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي، حيث يظل المغرب، شأنه شأن عدد من دول المنظمة، مستهلكاً أكثر منه منتجاً داخل هذا السوق، ما يطرح سؤال القدرة على تقليص التبعية للاستيراد وتعزيز القيمة المضافة المحلية الموجهة للتصدير.
“التريدتيك” والتحول الرقمي.. معركة التنافسية الجديدة
وفي هذا الإطار، يبرز التحول الرقمي كأحد المفاتيح الحاسمة، حيث يشدد التقرير على أهمية “التريدتيك” في تطوير التجارة، من خلال اعتماد التكنولوجيا في التتبع واللوجستيك وضمان الشفافية. فدول آسيوية وخليجية سبقت إلى هذا المجال، بينما لا يزال المغرب مطالباً بتسريع وتيرة رقمنة سلاسل القيمة للحاق بركب المنافسة.
الصناعة الدوائية والتجميل.. إمكانات تصطدم بالمعايير
كما يسلط التقرير الضوء على قطاعات واعدة داخل المغرب، مثل الصناعة الدوائية ومستحضرات التجميل، التي تستفيد من موارد طبيعية وصناعية مهمة، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بالامتثال للمعايير الدولية للحلال، وبحاجة ملحة إلى استثمارات أكبر في البحث والتطوير.
استراتيجية مطلوبة.. من التكيف إلى الهجوم
أمام هذه المعطيات، يخلص التقرير إلى أن تجاوز الوضع الحالي يقتضي تبني استراتيجية شاملة تقوم على توحيد معايير الشهادات، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتعبئة التمويلات، وتحسين جودة البيانات، إضافة إلى تقوية الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. فالمسألة لم تعد تقنية فقط، بل ترتبط بخيارات استراتيجية تحدد موقع الدول داخل هذا السوق المتسارع.
رهان التحول.. بين البقاء في الوسط أو القفز نحو الريادة
وفي نهاية المطاف، يبدو أن المغرب يقف عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في موقع متوسط يواكب التحولات دون التأثير فيها، أو الانتقال إلى موقع فاعل عبر استراتيجية هجومية تجعل من اقتصاد الحلال رافعة حقيقية للنمو والسيادة الاقتصادية، في عالم يعاد فيه رسم موازين القوة الاقتصادية بسرعة غير مسبوقة.





