بين ريشة تعانق القماش وشيفرة تعانق الشاشة.. يولد حلم لا يعرف الحدود

أميمة حدري

في ذلك الركن الهادئ من جبال الأطلس، حيث تتكئ قرية تاملالت أيت سدرات بإقليم تنغير على صمت الطبيعة وامتداد الجبال، لا تبدو الحياة في ظاهرها سوى إيقاع بطيء يتكرر كل صباح. غير أن ما يتخفى خلف هذا السكون هو حكاية مختلفة تماما، حكاية عائلة قررت أن تجعل من الهامش نقطة بداية، ومن البساطة فضاء مفتوحا على أقصى درجات التعقيد الإبداعي. إنها عائلة ملال، التي نسجت مسارا إنسانيا يتقاطع فيه الفن التشكيلي مع عوالم البرمجة والذكاء الاصطناعي.

وفي قلب هذه الحكاية يقف محمد ملال، الفنان التشكيلي الذي لم تكن اللوحة بالنسبة إليه مجرد مساحة لونية، بل امتدادا لذاكرة داخلية طويلة، تشكلت عبر أكثر من أربعة عقود ونصف من الاشتغال على الجماليات البصرية.

كان اللون في تجربته ليس مجرد مادة، بل لغة ثانية للحياة، بها يفسر ما تعجز الكلمات عن قوله، وبها يعيد ترتيب العالم على نحو أكثر هدوءا واتزانا. غير أن حضوره الأعمق لم يتجسد فقط في أعماله الفنية، بل في قدرته على نقل هذا الحس الجمالي إلى داخل بيته، حيث تحولت التربية إلى فعل إبداعي مواز للفن، يقوم على إيقاظ الفضول بدل إخماده، وعلى فتح الأبواب أمام السؤال بدل تقديم الإجابات الجاهزة.

وفي هذا المناخ، نشأ أمناي ملال، الابن الذي لم ينتظر طويلا حتى يحول شغفه بعوالم الألعاب الرقمية إلى مسار معرفي مختلف كليا. لم تكن البداية أكاديمية تقليدية، بل كانت أقرب إلى اكتشاف ذاتي تدريجي، بدأ من شاشة ترفيهية وانتهى إلى فضاء معقد من الأكواد والخوارزميات. شيئا فشيئا، تحول اللعب إلى تفكير، والتفاعل مع الألعاب إلى محاولة لفهم بنيتها الداخلية، قبل أن يصبح هذا الفضول البسيط مشروع حياة كامل.

ومن هناك، بدأت ملامح مسار آخر تتشكل، مسار شاب في الحادية والعشرين من عمره، يوازن بين متابعة دراسته الجامعية في ورزازات وبين تجربة مهنية تخوض غمار صناعة ألعاب الفيديو داخل شركة أمريكية رائدة. غير أن الأهم في هذا المسار ليس الموقع المهني بقدر ما هو التحول الذهني الذي رافقه، حيث انتقل من مستهلك للتكنولوجيا إلى صانع لها، ومن متلق للمحتوى الرقمي إلى مساهم في إنتاجه.

ومع مرور الوقت، بدأت أعماله ومشاريعه تجد صدى في الفضاء الرقمي، لتفتح له أبواب تجربة مهنية مبكرة ما تزال في طور التوسع والنضج، فيما يواصل العمل على مشاريع جديدة يطمح من خلالها إلى الوصول إلى نطاق عالمي أوسع.

وراء هذه التحولات كلها، يظل الحضور الأبوي لمحمد ملال عنصرا مهما في فهم هذه التجربة. فالفنان الذي نهل من تجربته في غرونوبل الفرنسية لم يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عالما غريبا أو منفصلا عن الإبداع، بل بوصفها امتدادا له.

لذلك كان حرصه، كما يصفه من حوله، منصبا على دفع أبنائه إلى تفكيك الأدوات التقنية بدل الاكتفاء باستخدامها، وإلى طرح الأسئلة حول طريقة عملها بدل التسليم بوظيفتها الظاهرة. ومن هذه الفلسفة التربوية، تشكلت البذور الأولى لمسار عائلي غير مألوف، يزاوج بين الحس الفني والقدرة التقنية.

وهكذا، في قرية تبدو من بعيد هامشا جغرافيا، تتشكل في العمق قصة مختلفة، قصة لا تقاس بموقعها على الخريطة، بل بقدرتها على إنتاج معنى جديد للحلم. بين ريشة تلامس القماش وشيفرة تكتب على ضوء الشاشة، تتولد حكاية لا تعترف بالحدود، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومصادر إبداعه، في عالم يتغير بسرعة تفوق القدرة على التوقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى