مجلس المنافسة يدفع نحو التحرير.. والصيادلة يردون بالرفض والتصعيد

حسين العياشي

سجّلت نقابة صيادلة المغرب تصعيداً لافتاً في مواجهة توجهات مجلس المنافسة، بعد أن وجّهت مذكرة رسمية تعلن فيها رفضها لمقترح فتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين الخواص، معتبرة أن هذا الخيار يحمل في طياته تهديداً مباشراً لتوازن القطاع ولمهامه الصحية، ويختزل وظيفة الصيدلي في منطق ربحي صرف لا يستجيب للإشكالات الحقيقية التي يعيشها المجال.

رفض مهني لتحويل الصيدلية إلى مشروع استثماري
وترى الهيئة المهنية أن إدخال رؤوس أموال خارجية إلى قطاع الصيدلة من شأنه أن يغيّر جوهر المهنة، من ممارسة صحية قائمة على المعرفة العلمية والمسؤولية الاجتماعية، إلى نشاط تجاري تحكمه اعتبارات الربح أولاً. وتحذر من أن هذا التحول قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل السوق وفق منطق استثماري بحت، يهدد بإفلاس آلاف الصيدليات المستقلة، ويعرض عشرات الآلاف من مناصب الشغل للخطر، فضلاً عن تداعيات محتملة على الأمن الدوائي الوطني.

هاجس تركّز السوق وتراجع الصيدليات القريبة
وتستند النقابة في موقفها إلى تجارب دولية تعتبرها دالة، حيث أدى انتشار سلاسل الصيدليات الكبرى في عدد من الدول إلى تراجع الصيدليات المستقلة واختفاء جزء مهم منها، وهو ما انعكس، بحسب تقديرها، على جودة التغطية الصحية وعلى التوازن المجالي في توزيع الخدمات الصيدلانية. وتخشى أن يؤدي اعتماد النموذج نفسه في المغرب إلى تركّز السوق في يد فاعلين كبار، على حساب الصيدليات القريبة التي تؤدي دوراً محورياً في ضمان ولوج المواطنين إلى الدواء، خاصة في المناطق البعيدة.

كما ترفض النقابة الطرح القائل إن فتح الرأسمال سيحسن جودة الخدمات، معتبرة أن هذا الادعاء يفتقر إلى معطيات ملموسة، بل قد يؤدي إلى تقليص عدد الصيدليات بفعل المنافسة غير المتكافئة، ما سينعكس سلباً على إمكانية الوصول إلى الأدوية في عدد من المناطق. وتشير في هذا السياق إلى أن المغرب يتوفر حالياً على نحو 14 ألف صيدلية تغطي مختلف جهات المملكة، مع فائض يناهز 4 آلاف وحدة، وهو ما يضمن، بحسبها، تغطية صحية ممتدة حتى المناطق النائية.

أزمة تنظيمية لا هيكلية
وتؤكد النقابة أن الصعوبات التي تواجه بعض الصيدليات لا تعود إلى طبيعة النموذج القائم، بل إلى اختلالات تنظيمية وتدبيرية، ترتبط بالإطار القانوني وبآليات التأطير، وليس بملكية رأسمال الصيدليات. كما تفند فكرة عجز الصيدليات عن توفير الأدوية باهظة الثمن، موضحة أن هذه الفئة من الأدوية تخضع أصلاً لمسارات توزيع خاصة ومراقبة.

مقترح مجلس المنافسة.. تحرير مشروط للقطاع
في المقابل، يدافع مجلس المنافسة عن مقترحه الداعي إلى فتح تدريجي ومؤطر لرأسمال الصيدليات، مع ضمانات قانونية تحافظ على استقلالية الصيادلة. ويرى أن هذا التوجه يمكن أن يسهم في تسهيل إحداث صيدليات جديدة وتطوير الشبكة الحالية، مع الحفاظ على البعد الصحي للمهنة. كما يشير إلى غياب معطيات رسمية دقيقة بشأن إغلاق الصيدليات، مع تسجيل وجود آلاف الوحدات التي تعاني هشاشة مالية، في سياق يتسم أيضاً بهشاشة نسبية في منظومة توزيع الأدوية بالجملة رغم نمو رقم معاملاتها.

جدل دستوري حول الحق في الصحة
وتؤسس النقابة رفضها أيضاً على مرجعيات دستورية، معتبرة أن أي تغيير في بنية القطاع يجب أن يراعي الحق في الصحة ومبدأ تكافؤ الولوج إلى العلاج، فضلاً عن ضرورة التوفيق بين حرية الاستثمار ومتطلبات المصلحة العامة. وترى أن فتح الرأسمال دون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى الإخلال بهذا التوازن، ويطرح إشكالات تتعلق باستمرارية الخدمة الصحية.

بديل مهني.. توسيع خدمات الصيدليات بدل تغيير نموذجها
وبدل تغيير نموذج الملكية، تقترح النقابة مساراً إصلاحياً بديلاً يقوم على تطوير خدمات الصيدليات، عبر توسيع أدوارها لتشمل خدمات إضافية مستلهمة من تجارب دولية، مثل التلقيح، وتتبع الأمراض المزمنة، وإدماج خدمات الطب عن بعد داخل الصيدليات. وتعتبر أن هذا التوجه كفيل بتحسين جودة الرعاية الصحية وتقريب الخدمات من المواطنين، دون المساس بالتوازنات البنيوية للقطاع.

بين منطق السوق ووظيفة الصحة.. معركة نموذج
وفي خضم هذا الجدل، يبدو أن النقاش الدائر يتجاوز مجرد تعديل تقني في ملكية الصيدليات، ليطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة النموذج الذي ينبغي أن يؤطر هذا القطاع: هل هو نشاط اقتصادي مفتوح لمنطق السوق، أم مرفق صحي يجب أن تحكمه اعتبارات الخدمة العمومية؟ وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم مستقبل الصيدلة في المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى