هل نجحت الحكومة فعلا في كبح التضخم أم فقط في تجميل المؤشرات؟

أميمة حدري
يثير الخطاب الحكومي بشأن التحكم في التضخم وتحسين المؤشرات الماكرو-اقتصادية نقاشا متصاعدا، خاصة في ظل التباين الواضح بين الأرقام المعلنة والانعكاسات الملموسة على القدرة الشرائية للمواطنين. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة، على لسان ناطقها الرسمي مصطفى بايتاس، نجاحها في تطويق التضخم والحفاظ عليه في حدود دنيا، مستندة إلى حزمة من الإجراءات من قبيل دعم الكهرباء ومهنيي النقل، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى ترجمة هذه التدابير إلى تحسن فعلي في الحياة اليومية للأسر المغربية.
وتستند الحكومة في دفاعها إلى معطيات رقمية تفيد بارتفاع الموارد العادية للدولة من 265 مليار درهم سنة 2021 إلى 424 مليار درهم سنة 2025، مع توقع بلوغ 433 مليار درهم خلال سنة 2026، إلى جانب التحكم في عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، وتراجع نسبة المديونية من 70 في المائة إلى 67 في المائة مع توقع انخفاضها إلى 65.9 في المائة. غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها على المستوى المحاسباتي، لا تعكس بالضرورة تحسنا موازيا في مؤشرات العيش اليومي، وهو ما تؤكده موجة الغلاء التي مست عددا من المواد الأساسية والخدمات.
ويبدو أن الرهان الحكومي على التوازنات الماكرو-اقتصادية يصطدم بإكراهات السوق الداخلية، حيث لم تفلح إجراءات الدعم، بحسب معطيات متقاطعة من الواقع الميداني، في كبح جماح الأسعار بالشكل الذي ينعكس بشكل مباشر على المستهلك النهائي. فتكاليف المعيشة واصلت منحاها التصاعدي خلال فترات متتالية، ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة السياسات المعتمدة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين استقرار المؤشرات الكبرى وحماية القدرة الشرائية.
وفي السياق ذاته، تثير مسألة توجيه الدعم نقاشا إضافيا، إذ يرى متتبعون أن جزءا من هذا الدعم لم يصل بالقدر الكافي إلى الفئات المستهدفة، أو لم يكن كافيا لتخفيف أثر التضخم، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية. كما أن الحديث عن حوار اجتماعي “غير مسبوق” وتخصيص 47 مليار درهم له، يظل، وفق قراءات نقدية، غير كاف لامتصاص حالة التذمر الاجتماعي المرتبطة بغلاء المعيشة.
من جهة أخرى، تروج الحكومة لارتفاع الاستثمار الأجنبي بنسبة 73 في المائة وبلوغ الاستثمار العمومي 380 مليار درهم، غير أن هذه الأرقام، رغم دلالتها الإيجابية على مستوى الجاذبية الاقتصادية، لا تعني بالضرورة تحقيق أثر فوري على مستوى الأسعار أو خلق فرص شغل كافية، خاصة في ظل استمرار الجدل حول واقعية هدف إحداث مليون منصب شغل في أفق 2026.
ويكشف هذا التباين بين الخطاب الرسمي والانطباع العام عن فجوة متنامية في تقييم الأداء الاقتصادي، حيث تركز الحكومة على المؤشرات الكلية كدليل على نجاح سياساتها، في حين يربط جزء من الرأي العام والمعارضة هذا النجاح بمدى انعكاسه المباشر على معيش المواطنين. وبين هذين المنظورين، يبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت الحكومة قد نجحت فعلا في كبح التضخم، أم أن الأمر يتعلق أساسا بتحسين مؤشرات رقمية لا تعكس بالضرورة عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.





