تصريحات ثقيلة لبركة تضع صندوق التنمية القروية في مرمى الانتقادات

حسين العياشي

خبر_كشف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، معطى صادما داخل البرلمان وهو يتحدث عن ضياع استثمارات بمليارات الدراهم خصصت للطرق القروية، بسبب غياب الصيانة، في تصريح أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تدبير المجال القروي بالمغرب، حيث تتحول مشاريع كان يفترض أن تكون رافعة لفك العزلة والتنمية المحلية إلى أوراش تلتهم الأموال العمومية قبل أن تتآكل تحت وطأة الإهمال وغياب الحكامة.

تصريحات الوزير، التي جاءت خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، لم تكن مجرد عرض تقني لوضعية البنيات التحتية، بل بدت أقرب إلى تشخيص سياسي وإداري لأزمة ممتدة منذ سنوات، تتداخل فيها هشاشة التمويل مع تعقيدات توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، في مشهد يعكس أحد أعطاب اللامركزية الترابية حين تتحول بعض الصلاحيات إلى عبء يفوق الإمكانيات المتاحة للجماعات القروية.

بركة تحدث بصراحة عن وجود طرق “غير مصنفة”، موضحاً أن عدداً من الجماعات تعمدت عدم تصنيفها حتى لا تتحمل أعباء صيانتها، بالنظر إلى ضعف مواردها المالية وعدم قدرتها على مواكبة الكلفة المرتفعة لإصلاح المسالك والطرق القروية، خاصة بالمناطق الجبلية وشبه المعزولة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: طرق تُنجز بأموال عمومية ضخمة، لكنها تُترك عملياً خارج منظومة الصيانة، وكأن الدولة تكتفي ببناء الطريق ثم تسلّمه بصمت إلى الزمن والتآكل.

الوزير حاول في المقابل تقديم ملامح حل مؤسساتي لهذا الإشكال، مشيراً إلى أن الحكومة تشتغل على مراجعة تصنيف الطرق، وعلى نقل اختصاصات تدبيرها إلى الجهات ضمن مشروع القانون التنظيمي الجديد، في محاولة لإيجاد صيغة أكثر انسجاماً مع متطلبات التنمية الترابية. كما أكد أن الوزارة عززت أسطولها التقني وأعادت تفعيل فرق التدخل السريع، مع فتح الباب أمام الجماعات للاستفادة من هذه الإمكانيات عبر شراكات مع الوزارة والجهات.

لكن خلف هذا الخطاب التقني، تظهر معركة سياسية وإدارية أعمق تدور في الكواليس منذ سنوات حول من يتحمل فعليا مسؤولية الطرق القروية، ومن يتحمل أيضا كلفة فشل تدبيرها. فداخل حزب الاستقلال، الذي يقود وزارة التجهيز والماء، برزت خلال السنوات الماضية أصوات تطالب بشكل صريح بإعادة هذا الاختصاص إلى الوزارة، معتبرة أن تفتيت تدبير الطرق بين قطاعات ومؤسسات مختلفة خلق فراغاً في المسؤولية وأدى إلى تدهور جزء مهم من الشبكة الطرقية بالعالم القروي.

ولم يكن نور الدين مضيان، القيادي الاستقلالي، بعيدا عن هذا النقاش حين وجّه انتقادات لاذعة للوضع القائم تحت قبة البرلمان، معتبرا أن حصر اختصاص وزارة التجهيز في الطرق الوطنية دون القروية يشكل “تبخيسا” لمكانة الوزارة ولدورها التاريخي في فك العزلة عن العالم القروي. كما ربط هذا الوضع بطريقة تدبير صندوق التنمية القروية منذ حكومة عبد الإله بنكيران، في إشارة إلى التحولات التي عرفها توزيع الاختصاصات والتمويلات المرتبطة بالبنيات التحتية القروية.

ويعيد هذا السجال إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بجدوى مليارات الدراهم التي ضخت في إطار برامج التنمية القروية خلال السنوات الماضية. فالكثير من الطرق التي أنجزت في مناطق نائية سرعان ما فقدت جزءا من فعاليتها بسبب غياب الصيانة الدورية، لتتحول بعض المقاطع، بعد سنوات قليلة فقط، إلى مسالك متدهورة تعيد الساكنة تقريبا إلى نقطة الصفر.

المفارقة أن الطرق القروية ليست مجرد بنية تحتية عادية، بل شريان اقتصادي واجتماعي يحدد في كثير من المناطق إمكانية الوصول إلى المدرسة والمستوصف والسوق الأسبوعي. وعندما تنهار هذه الطرق أو تترك دون صيانة، فإن آثار ذلك لا تقاس فقط بالأمتار المتشققة من الإسفلت، بل بالعزلة التي تعود لتفرض نفسها على آلاف الأسر في الجبال والقرى البعيدة.

كما أن الاعتراف الرسمي بضياع استثمارات بمليارات الدراهم يطرح، بشكل غير مباشر، سؤال المحاسبة والنجاعة. فحين تتحول مشاريع ممولة من المال العام إلى بنى هشة بسبب غياب رؤية مستدامة للصيانة، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلل تقني ليصبح مؤشرا على أزمة في تصور التنمية نفسها، حيث يحتفى أحيانا بمنطق الإنجاز السريع أكثر من ضمان استدامة المشاريع وجودتها.

وفي العمق، يبدو أن ما كشفه وزير التجهيز لا يتعلق فقط بحالة الطرق القروية، بل بنموذج كامل لتدبير التنمية الترابية في المغرب، نموذج ما يزال يصطدم بضعف الإمكانيات المحلية، وتداخل الاختصاصات، وغياب آليات فعالة لضمان استمرارية المشاريع بعد تدشينها. وبين مليارات تُصرف وطرق تتآكل بصمت، يبقى العالم القروي في مواجهة سؤال قديم يتجدد مع كل موسم: من يحمي استثمارات الدولة من الضياع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى