بين “40 مليون رأس” وواقع الأسواق.. هل باعت الحكومة للمغاربة وهماً اسمه “الوفرة”؟

حسين العياشي
خبر_قبل أسابيع فقط، كانت الحكومة تقدم صورة مطمئنة عن وضعية القطيع الوطني، مؤكدة أن العرض المتوفر من الأضاحي يفوق الطلب خلال موسم عيد الأضحى لهذه السنة. تصريحات رسمية تحدثت عن وفرة في الماشية، يتقدمها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي تحدث بثقة عن وجود ما يقارب 40 مليون رأس من الماشية، في محاولة لطمأنة المغاربة بعد أشهر طويلة من القلق الذي أعقب أزمة القطيع وإلغاء شعيرة عيد الأضحى السنة الماضية.
لكن، وبينما كانت الحكومة تتحدث بلغة الوفرة، كانت الأسواق تستعد لقول شيء آخر تماما. ما حدث خلال الساعات الأخيرة قبل العيد لم يكن مجرد ارتفاع عادي في الأسعار، بل كان انهيارا فعليا للرواية الرسمية أمام أعين المواطنين. فالأسواق التي قيل إنها ستغرق بالأضاحي، تحولت إلى فضاءات للاكتظاظ واللهفة والبحث المحموم عن “خروف في المتناول”، بينما قفزت الأسعار بشكل صادم، واختفت تقريبا الأضاحي التي تقل عن 4000 درهم إلا لمن حالفه الحظ أو سبق غيره إلى الشاحنة قبل أن تُفرغ حمولتها.
أي وفرة هذه التي تجعل الناس يتدافعون على الخرفان قبل أن تنزل إلى “الرحبة”؟
وأي عرض يفوق الطلب، والمواطن يقضي الليل كاملا في السوق ثم يعود خالي الوفاض؟
الأسواق لم تصدق الحكومة
في جولات ميدانية بعدد من أسواق المملكة، بدا المشهد بعيدا تماما عن صورة “السوق المريحة” التي حاول الخطاب الرسمي تسويقها. مواطنون أنهكهم الانتظار، وآخرون يتنقلون من سوق إلى آخر بلا جدوى، بينما تحولت الأضاحي الأقل سعرا إلى ما يشبه “الغنيمة النادرة”. بعض الأسر تحدثت عن الوقوف في الطوابير منذ ساعات الفجر الأولى فقط من أجل الظفر بخروف يقل ثمنه عن 4000 درهم، قبل أن يُفاجأوا بأن الطلب يلتهم كل شيء في دقائق، وأن الأسعار ترتفع كلما اقترب العيد أكثر.
المفارقة الصادمة أن الحكومة كانت تراهن على أن يؤدي ارتفاع العرض إلى تراجع الأسعار، لكن ما وقع كان العكس تماما: العرض بدا محدودا في الفئات المطلوبة، والأسعار اشتعلت بشكل غير مسبوق، والناس وجدوا أنفسهم يتقاتلون على ما تبقى من “الخرفان الصغيرة”.
هل هذا فعلا مشهد يمكن أن يقع في زمن الوفرة؟
من يكذب؟ الأرقام أم الأسواق؟
السؤال الذي يتردد اليوم في الأسواق لم يعد متعلقا فقط بثمن الأضحية، بل بمصداقية الرواية الحكومية نفسها.
فكيف يمكن للمغاربة أن يصدقوا حديث “العرض الذي يفوق الطلب”، بينما الواقع يقول إن السوق تعاني اختناقا واضحا في الفئات الأكثر طلبا؟ وكيف يمكن تفسير هذا التناقض الحاد بين الأرقام المعلنة والمشاهد التي وثقتها الأسواق من مختلف الجهات؟
بل إن الجدل عاد بقوة إلى النقاش القديم الذي انفجر بعد الإحصاء السابق للقطيع، حين تم تبرير إلغاء عيد الأضحى بوجود أزمة حقيقية في أعداد الماشية. يومها، خرج كثيرون للتشكيك في الأرقام، قبل أن تأتي هذه السنة بما يشبه “المعجزة البيولوجية”: قطيع تضاعف بشكل مريح في ظرف أشهر قليلة، حسب أرقام الإحصاء الأخير، رغم الجفاف وغلاء الأعلاف واستمرار الأزمة الفلاحية.
واليوم، بعد صدمة الأسواق، يعود السؤال أكثر إلحاحاً:
هل كانت الأرقام الأولى هي الأقرب إلى الحقيقة؟
وهل جرى تضخيم صورة الوفرة هذه السنة لتهدئة الرأي العام فقط؟
المواطن لم يعد يصدق الخطابات
المشكلة هنا لم تعد تقنية أو مرتبطة بسوء تدبير ظرفي للسوق، بل تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية. لأن المواطن المغربي لم يعد يقيس الأمور بما يُقال في التصريحات الرسمية، بل بما يراه بعينيه داخل السوق.
وحين يسمع أن القطيع وفير، ثم يجد نفسه عاجزا عن شراء أضحية صغيرة، فإن أول ما يسقط ليس فقط القدرة الشرائية، بل مصداقية الخطاب نفسه. لقد كان المغاربة مستعدين لتفهم الندرة لو قيلت لهم الحقيقة كما هي. وكان بإمكانهم استيعاب الغلاء لو شعروا أن الحكومة تصارحهم بحجم الأزمة. لكن ما حدث هو العكس تماما: خطاب مطمئن إلى درجة المبالغة، أعقبه واقع صادم كشف أن السوق لم تكن في الوضع الذي تم الترويج له.
هل اختفى “الشناقة” أم اختفى القطيع؟
في خضم هذا الجدل، برز تفسير آخر يتحدث عن غياب بعض المضاربين والوسطاء عن الأسواق بسبب تشديد الرقابة من طرف السلطات المحلية، وهو ما قد يكون تسبب في تقليص العرض داخل “الرحبات”.
لكن حتى هذا التفسير يطرح سؤالاً أكثر خطورة: إذا كان السوق يعتمد أصلاً على شبكات الوسطاء لتأمين وفرة العرض، فأين كان القطيع الذي قيل إنه متوفر بأعداد كبيرة؟ ولماذا لم يظهر بالشكل الذي وُعد به المواطنون؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها اليوم هي أن الأسواق قالت شيئا مختلفا تماما عما قالته الحكومة. والفرق بين الاثنين لم يكن بسيطا، بل كان بحجم الصدمة التي عاشتها آلاف الأسر وهي تبحث عن أضحية تحفظ ما تبقى من قدرتها على الفرح.
العيد الذي فضح هشاشة الخطاب
ربما سينتهي موسم العيد بعد ساعات، وستفرغ الأسواق، وستختفي الطوابير، لكن الأسئلة التي طرحتها هذه الأزمة ستبقى عالقة. لأن ما حدث لم يكن مجرد غلاء موسمي، بل كان اختبارا حقيقيا لمدى صدقية الخطاب الرسمي حين يصطدم بالواقع. واختبارا آخر لقدرة الحكومة على قراءة السوق بعيدا عن لغة الأرقام المريحة.
وفي النهاية، لن يتذكر المغاربة عدد “ملايين الرؤوس” التي قيل إنها موجودة. سيتذكرون فقط أنهم دخلوا الأسواق وهم ينتظرون وفرة ووعودا مطمئنة، ثم خرج كثير منهم بصدمة أكبر من قدرتهم على الاحتمال.





