المغرب يشدد الحماية القانونية لحقوق المؤلف في مواجهة القرصنة الرقمية

أميمة حدري
خبر_ صادقت الحكومة على مشروع قانون جديد يروم تعزيز الحماية القانونية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، في خطوة تستهدف مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال الرقمي، والتصدي لمختلف أشكال القرصنة التي باتت تهدد المصنفات الأدبية والفنية وحقوق البث، خاصة مع التوسع الكبير لاستخدام المنصات الإلكترونية ووسائل النشر عبر الإنترنت.
ويأتي هذا المشروع، الذي يحمل رقم 013.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، في سياق سعي السلطات إلى تحيين الترسانة القانونية الوطنية بما ينسجم مع التطورات التكنولوجية الحديثة، وذلك بعد أن أفرزت البيئة الرقمية أنماطا جديدة من استغلال المحتويات المحمية، رافقتها ممارسات متزايدة للبث غير المشروع والنسخ والاستغلال غير المرخص للمصنفات الفنية والأدبية.
ويضع النص التشريعي الجديد مكافحة القرصنة الرقمية ضمن أولوياته الأساسية، من خلال إقرار مجموعة من التدابير الوقائية والزجرية الرامية إلى الحد من الاعتداءات على الحقوق المحمية قانونا، إلى جانب إرساء آليات أكثر فعالية لتدخل القضاء من أجل وقف الانتهاكات أو منعها أو إنهائها، خصوصا في الفضاء الرقمي الذي يتميز بسرعة تداول المحتويات وصعوبة تعقب مصادرها.
ويولي المشروع اهتماما خاصا لظاهرة قرصنة البث المباشر، التي أصبحت من أبرز التحديات المطروحة في مجال حماية الملكية الفكرية، لاسيما ما يتعلق ببث المباريات والتظاهرات الرياضية بشكل غير قانوني.
ويرى معدو المشروع أن هذا النوع من الممارسات يشكل اعتداء مباشرا على حقوق الاستغلال ويؤثر سلبا على الاستثمارات المرتبطة بقطاع الإعلام والسمعي البصري.
وتزداد أهمية هذا الورش التشريعي في ظل الاستحقاقات الرياضية الدولية التي تستعد المملكة لاحتضانها خلال السنوات المقبلة، وعلى رأسها نهائيات كأس العالم 2030، حيث تسعى السلطات إلى توفير إطار قانوني قادر على ضمان حماية حقوق البث وتعزيز ثقة الشركاء والهيئات الدولية المعنية بهذا المجال.
ومن بين أبرز المستجدات التي جاء بها المشروع توسيع بعض المفاهيم القانونية المرتبطة بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بما يتلاءم مع التطورات التي عرفتها وسائل النشر والتواصل الحديثة.
وفي هذا الإطار، تم توسيع مفهوم البث الإذاعي والتلفزي ليشمل مختلف أشكال التبليغ إلى الجمهور، سواء عبر الأقمار الصناعية أو الشبكات الإلكترونية أو غيرها من الوسائط الرقمية المستعملة حاليا.
كما عمل المشروع على تدقيق مفهوم القرصنة ليشمل كل استغلال غير مرخص للمصنفات أو الأداءات الفنية أو التسجيلات الصوتية والسمعية البصرية، بغض النظر عن الوسيلة المستعملة، بما فيها الوسائل الرقمية وشبكة الإنترنت، في خطوة تروم تعزيز الوضوح القانوني وتسهيل عمليات المراقبة والمتابعة القضائية.
وعلى مستوى آليات المراقبة، وسع المشروع من صلاحيات الأعوان المؤهلين التابعين للمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، حيث خول لهم إمكانية الولوج إلى الأماكن والمحلات المهنية ووسائل النقل وأنظمة المعلومات المرتبطة باستغلال المصنفات المحمية، فضلا عن الاطلاع على السجلات والوثائق والمستندات ذات الصلة بالمخالفات المحتملة.
كما يسمح لهم بحجز المعدات والأدوات والوسائل المستعملة في ارتكاب المخالفات بعد جردها وتوثيقها في محاضر رسمية، على أن تتم إحالة هذه المحاضر على النيابة العامة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وينص المشروع كذلك على تجريم كل الأفعال الرامية إلى منع الأعوان من أداء مهامهم أو عرقلة تدخلاتهم أثناء عمليات المراقبة والمعاينة.
وفي الجانب القضائي، يمنح المشروع للمحاكم صلاحيات أوسع للتدخل من أجل وقف أو منع أو إنهاء أي خرق للحقوق المحمية بموجب القانون، سواء تعلق الأمر بالوسائل التقليدية أو الرقمية. كما يتيح للقضاء إصدار أوامر وأحكام في مواجهة أي شخص ذاتي أو اعتباري يتوفر بحكم اختصاصه أو موقعه على القدرة التقنية أو العملية لإيقاف عمليات النقل أو البث غير المشروع للمحتويات.
ويتضمن المشروع أيضا مقتضيات جديدة تهم النظام الجمركي، إذ يسمح لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، بصفة استثنائية وبناء على طلب معلل، بتمديد فترة توقيف التداول الحر للسلع المشتبه في كونها مقلدة أو مقرصنة لمدة إضافية تصل إلى عشرة أيام، بهدف تعزيز فعالية إجراءات الحماية دون الإضرار بانسيابية المبادلات التجارية.
وفي ما يتعلق بالموروث الثقافي الوطني، أخضع المشروع استغلال تعابير الفولكلور والمصنفات التي انقضت مدة حمايتها القانونية لترخيص مسبق من المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عندما يكون الاستغلال ذا طبيعة تجارية، مع تمكين المكتب من استخلاص المستحقات المالية المترتبة عن هذا الاستغلال.
كما حدد المشروع كيفية توزيع مستحقات النسخة الخاصة، حيث ستخصص نسبة 35 في المائة للمؤلفين، و35 في المائة لفناني الأداء وناشري الكتب والصحف، و10 في المائة لمنتجي التسجيلات الصوتية والسمعية البصرية، فيما ستوجه نسبة 20 في المائة لدعم برامج المكتب المتعلقة بتحصيل الحقوق ومحاربة القرصنة وتعزيز الحماية الاجتماعية لذوي الحقوق والمساهمة في صيانة الذاكرة الفنية الوطنية.
وعلى مستوى العقوبات، اتجه المشروع إلى تشديد الجانب الزجري لمواجهة مختلف أشكال الاستغلال غير المشروع للمصنفات المحمية، خاصة تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي. كما نص على إمكانية الحكم بتعويضات مدنية تراعي حجم الأضرار المادية والمعنوية اللاحقة بأصحاب الحقوق، إضافة إلى الأرباح التي جناها مرتكب المخالفة من نشاطه غير المشروع.
أما العقوبات الجنائية، فتشمل الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامات تتراوح بين عشرة آلاف ومائة ألف درهم لكل من تعمد، لأغراض تجارية، انتهاك حقوق المؤلف أو حقوق فناني الأداء أو منتجي التسجيلات الصوتية أو هيئات البث. كما ينص المشروع على مضاعفة العقوبات في حالة العود أو الاعتياد على ارتكاب المخالفات.
وفي الحالات الأكثر خطورة، يعاقب مرتكبو المخالفات المتكررة داخل أجل خمس سنوات من صدور حكم نهائي سابق بالحبس من سنة إلى أربع سنوات، وغرامات تتراوح بين ستين ألفا وستمائة ألف درهم. كما يمنح النص لصاحب الحق إمكانية المطالبة بالتعويض عن الضرر الفعلي وكامل الأرباح الناتجة عن النشاط المخالف، أو اختيار تعويض جزافي يتراوح بين خمسة آلاف وخمسة وعشرين ألف درهم.





