عمدة الرباط تعلن الاعتزال من جديد.. والوثائق تكشف تشابهاً لافتاً مع سيناريو 2021

حسين العياشي
خبر_أثار إعلان ثمانية من أبرز المنتخبين والمسؤولين المحليين بمدينة الرباط، يتقدمهم عمدة العاصمة فتيحة المودني ورئيس مقاطعة السويسي عادل الأتراسي، اعتزالهم النهائي للعمل السياسي والانتخابي من حزب التجمع الوطني للأحرار، موجة واسعة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والحزبية، ليس فقط بسبب الأسماء الموقعة على الوثيقة، ولا بسبب توقيت الإعلان الذي تلا مباشرة الكشف عن لوائح الحزب للانتخابات التشريعية المقبلة، بل لأن المشهد برمته سبق أن وقع بالكيفية نفسها تقريبا قبل خمس سنوات.
بالعودة إلى سنة 2021، يتبين أن المجموعة نفسها تقريبا كانت قد أصدرت وثيقة مماثلة تعلن فيها “اعتزال العمل السياسي والانتخابي” من حزب الأصالة والمعاصرة. يومها تحدث الموقعون بالعبارات نفسها تقريباً عن “نقاش مستفيض” و”دراسة متأنية” و”تقييم موضوعي” لمسارهم السياسي، قبل أن ينتهي ذلك “الاعتزال” بالالتحاق بحزب التجمع الوطني للأحرار وخوض الاستحقاقات الانتخابية تحت ألوانه.
اليوم، يتكرر المشهد بصورة تكاد تكون مطابقة. فبعد إعلان حزب التجمع الوطني للأحرار أسماء مرشحيه للاستحقاقات المقبلة، دون أن تتضمن اللائحة أسماء أبرز الوجوه التي تقود التنظيم المحلي للحزب بالعاصمة، خرجت المجموعة نفسها تقريباً بوثيقة جديدة تعلن فيها اعتزالها النهائي للعمل السياسي والانتخابي.


وإذا كان لكل فاعل سياسي الحق في مراجعة خياراته أو تغيير انتمائه الحزبي، فإن ما يثير الانتباه في هذه الواقعة ليس القرار في حد ذاته، وإنما طبيعة الخطاب المصاحب له. فالمصطلح المستعمل هذه المرة، كما في سنة 2021، هو “الاعتزال”، وهو اختيار لغوي وسياسي يطرح أكثر من علامة استفهام.
فالاعتزال، في معناه السياسي المتعارف عليه، يفيد الانسحاب من المجال العام ومغادرة التنافس الحزبي والانتخابي. أما حين يتزامن الإعلان مع محطات التزكية الانتخابية، وحين تكون المعطيات المتداولة داخل الكواليس الحزبية تتحدث عن اتصالات ومفاوضات سياسية جارية، فإن الأمر يبدو أقرب إلى إعادة تموقع سياسي منه إلى مغادرة فعلية للحياة السياسية.
وتؤكد مصادر حزبية لـ“إعلام تيفي”، متطابقة أن خطوة الاعتزال الجماعي جاءت عقب تعثر رهانات مرتبطة بالترشيحات والتزكيات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، مضيفة أن عدداً من الموقعين على الوثيقة دخلوا خلال الفترة الأخيرة في مشاورات مع قيادات بحزب الأصالة والمعاصرة، في ما يشبه عودة محتملة إلى البيت السياسي الذي غادروه قبل خمس سنوات بالصيغة نفسها تقريباً.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل نحن أمام اعتزال سياسي فعلاً، أم أمام محطة جديدة من محطات الترحال الحزبي الذي أصبح يرافق بعض النخب المحلية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي؟
اللافت أيضاً أن الوثيقتين، القديمة والجديدة، لا تتشابهان فقط في الأسماء أو في الظرفية السياسية، بل حتى في البنية الخطابية التي تؤطر القرار. ففي الحالتين جرى الحديث عن سنوات من النضال والعمل الميداني، وعن قرار مؤلم فرضته اعتبارات موضوعية، وعن الوفاء للمواطنين والاستمرار في خدمة الصالح العام. وكأن الزمن السياسي دار دورة كاملة ليعود إلى النقطة نفسها، مع تغيير اسم الحزب فقط.
هذه المفارقة تكشف جانباً من أزمة أعمق تعيشها الحياة الحزبية، حيث تصبح الحدود بين القناعة السياسية والحسابات الانتخابية أكثر ضبابية. فحين يتحول “الاعتزال” إلى محطة عابرة تسبق الانتقال إلى تنظيم آخر، يفقد المصطلح الكثير من دلالته السياسية والأخلاقية، ويصبح أقرب إلى عنوان مرحلي لإعادة ترتيب المواقع داخل الخريطة الانتخابية.
لذلك لا تبدو أهمية هذه الواقعة في مغادرة ثمانية منتخبين لحزب معين بقدر ما تكمن في الرسائل التي تحملها حول طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط بعض الفاعلين بالأحزاب السياسية. فالمتابع للمشهد لا يجد نفسه أمام خلافات إيديولوجية أو مراجعات فكرية عميقة، بقدر ما يجد نفسه أمام صراع حول الموقع والتموقع والقدرة على الاستمرار داخل مراكز القرار والتمثيل الانتخابي.
وبين وثيقة 2021 ووثيقة 2026، تبدو القصة واحدة تقريباً: الأسماء نفسها، والتوقيت نفسه، واللغة نفسها، وحتى المبررات نفسها. أما السؤال الذي ينتظر الجميع جوابه خلال الأسابيع المقبلة فهو ما إذا كان “الاعتزال” الجديد سيقود إلى الوجهة ذاتها التي قاد إليها الاعتزال السابق، أم أن المشهد السياسي بالعاصمة يخبئ هذه المرة فصلاً مختلفاً من الحكاية.





