
حسين العياشي
خبر_ليست كل المواعيد الانتخابية سواء. فثمة انتخابات تُجرى لتجديد المؤسسات، وأخرى تُجرى لتدبير التوازنات، وثالثة تتحول إلى لحظة مفصلية في تاريخ الدول، حيث يصبح السؤال المطروح أكبر من أسماء الأحزاب وأوسع من حسابات المقاعد.
وإذا كانت انتخابات 2026 تتجه لتكون من هذا الصنف الأخير، فإن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة مباشرة بعد انتهاء مهمته مع المنتخب الوطني بالولايات المتحدة الأمريكية، وفق ما أكدته مصادر لـ”إعلام تيفي”، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد انتقال سياسي عادي أو عملية استقطاب حزبي مألوفة. فالرجل، عند اختياره ولوج المعترك الحزبي من بوابة “البام”، لن يدخل السباق بوصفه مرشحا للبرلمان أو مقعدًا انتخابيا إضافيا، بل باعتباره اسما يُنظر إليه منذ الآن كأحد أبرز المرشحين لقيادة المرحلة الحكومية المقبلة، خلفًا لعزيز أخنوش.
انتخابات تتجاوز منطق المقاعد
ذلك أن المغرب يوجد اليوم على أعتاب مرحلة استثنائية بكل المقاييس؛ فخلال السنوات القليلة المقبلة، لن تكون المملكة مطالبة فقط بمواصلة تنزيل أوراشها الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، بل ستكون أيضا في قلب حدث عالمي غير مسبوق يتمثل في تنظيم كأس العالم 2030، بما يفرضه ذلك من رهانات مرتبطة بالبنية التحتية والاستثمار والتشغيل والدبلوماسية الاقتصادية والصورة الدولية للمملكة.
في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تبحث الدول عادة عن أكثر السياسيين قدرة على رفع سقف الخطاب، بل عن أكثرهم قدرة على إدارة التعقيد. فبين الحلم والإنجاز مسافة لا تقطعها الشعارات، وإنما تعبرها الكفاءة.
من دواليب الدولة إلى واجهة المشهد
ولعل هذا بالضبط ما يفسر الحضور المتنامي لاسم فوزي لقجع داخل النقاش العمومي والسياسي. فالرجل لم يصنع مكانته عبر المهرجانات الخطابية، ولم يبن رصيده من خلال المزايدات الإيديولوجية أو المعارك الحزبية التقليدية. لقد شق طريقه بصمت داخل دواليب الدولة، قبل أن يتحول تدريجيا إلى أحد أكثر الوجوه ارتباطا بفكرة الإنجاز في المخيال الجماعي للمغاربة.
فمن مديرية الميزانية إلى وزارة الاقتصاد والمالية، ومن إصلاحات مالية معقدة إلى إدارة ملفات استراتيجية ذات حساسية عالية، ظل لقجع يمثل نموذجا للمسؤول الذي يتحدث بلغة الأرقام أكثر مما يتحدث بلغة الشعارات.
حين تحولت الكرة إلى رأسمال ثقة
غير أن ما منحه بعدا استثنائيا يتجاوز حدود الإدارة، هو نجاحه في تحويل كرة القدم المغربية إلى مشروع وطني للثقة الجماعية.
لقد كان المغرب، لسنوات طويلة، يستهلك أحلامه الرياضية أكثر مما يصنع إنجازاته. لكن ما حدث خلال العقد الأخير غيّر المعادلة بالكامل. فالملاعب التي كانت عنوانا للإخفاق تحولت إلى فضاءات للأمل، والمنتخب الوطني الذي كان يبحث عن موقعه بين كبار القارة أصبح رقما صعبا على الساحة الدولية، فيما تحولت المملكة إلى فاعل مركزي في صناعة القرار الكروي قاريا وعالميا.
قد يختلف الناس حول السياسات العمومية، وقد تتباين مواقفهم من الحكومات والأحزاب، لكن قلما يختلف المغاربة حول حقيقة واحدة مفادها أن كرة القدم المغربية انتقلت من زمن الارتجال إلى زمن المشروع. وهنا بالذات يبرز اسم لقجع، ليس باعتباره رجل كرة قدم، بل باعتباره رجل مشروع.
عندما تستدعي الدولة رجال المرحلة
إن الرهان على فوزي لقجع لا يمكن فهمه فقط من زاوية النجاح الرياضي أو الكفاءة التدبيرية، بل ينبغي قراءته في سياق تقليد مغربي أوسع، دأبت الدولة على اللجوء إليه كلما وجدت نفسها أمام منعطفات كبرى تستدعي تغليب منطق الإنجاز على منطق التجاذب السياسي.
ففي مطلع الألفية الثالثة، وفي سياق اقتصادي ودولي بالغ الحساسية أعقب التحولات الكبرى التي شهدها العالم مطلع القرن، وقع الاختيار على إدريس جطو لقيادة الحكومة. لم يكن الرجل زعيما حزبيا بالمعنى المتعارف عليه، ولم يأت محملا بخطاب إيديولوجي أو برصيد انتخابي واسع، بل جاء باعتباره رجل اقتصاد وإدارة، يُنتظر منه تأمين عبور المملكة نحو مرحلة جديدة من الإصلاحات والانفتاح الاقتصادي.
كان ذلك الاختيار تعبيرا عن قناعة مفادها أن بعض اللحظات لا تحتاج إلى صراع البرامج بقدر ما تحتاج إلى كفاءة التدبير، وأن الدول، عندما تواجه رهانات استثنائية، تميل إلى البحث عن شخصيات تمتلك القدرة على إدارة التعقيد أكثر من قدرتها على إنتاج الخطاب.
من جطو إلى لقجع.. تشابه السياقات واختلاف الأزمنة
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على تجربة جطو، يبدو أن السياق يعيد طرح السؤال ذاته بصيغة مختلفة. فالمغرب المقبل على 2030 لا يواجه أزمة ظرفية أو تحديا قطاعيا محدودا، بل يقف أمام ورش تاريخي متعدد الأبعاد. فنجاح تنظيم كأس العالم لن يقاس فقط بجودة الملاعب أو البنيات التحتية، وإنما بقدرة المملكة على تحويل هذا الموعد العالمي إلى رافعة اقتصادية وتنموية ودبلوماسية طويلة الأمد.
غير أن المقارنة بين جطو ولقجع تتوقف عند نقطة أساسية. فإذا كان إدريس جطو قد دخل المشهد من بوابة الثقة المؤسساتية، فإن فوزي لقجع يدخل إليه وهو يحمل، إلى جانب تلك الثقة، رأسمالا رمزيا وشعبيا نادرا صنعته سنوات من الإنجازات الرياضية التي التقت فيها إرادة الدولة مع تطلعات المجتمع. ولذلك فإن حضوره لا يستند فقط إلى كونه رجل إدارة، بل أيضا إلى كونه أحد الأسماء التي ارتبطت في الوعي الجماعي المغربي بفكرة النجاح نفسها.
أي قيادة يحتاجها مغرب 2030؟
هنا تحديدا تكمن خصوصية اللحظة. فالنقاش الدائر حول لقجع لا يتعلق في جوهره بشخص يبحث عن موقع داخل حزب، ولا بحزب يبحث عن اسم انتخابي قادر على تعزيز حظوظه، بل يتعلق بسؤال أعمق يفرض نفسه على المشهد السياسي برمته: أي نموذج للقيادة يحتاجه المغرب خلال النصف الثاني من هذا العقد؟
هل تحتاج المملكة إلى سياسي يجيد مخاطبة المزاج العام وتغذية الآمال الكبرى، أم إلى مسؤول اعتاد الاشتغال بمنطق المؤشرات والنتائج؟ هل تحتاج مرحلة المونديال إلى صانع خطابات أم إلى مهندس أوراش؟ وهل تستطيع الأحزاب التقليدية، بصيغها الحالية، إنتاج قيادة بمواصفات المرحلة، أم أن الظرفية تفرض صعود نمط جديد من الفاعلين السياسيين القادمين من عالم الإنجاز والتدبير؟
أسئلة ستجد طريقها حتما إلى قلب المعركة الانتخابية المقبلة. ذلك أن انتخابات 2026 لن تكون مجرد محطة للتنافس على المقاعد أو التداول على المواقع الحكومية، بل ستكون، في جانب كبير منها، استفتاءً سياسيا غير معلن حول طبيعة القيادة التي يريدها المغاربة للسنوات الحاسمة.
وعند هذه النقطة تحديدا، يصبح التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة حدثا يتجاوز حدود التنظيم الحزبي ذاته، ليغدو مؤشرا على إعادة تشكل المشهد السياسي حول فكرة مركزية واحدة: البحث عن رجل قادر على ترجمة طموحات المغرب الكبرى إلى وقائع ملموسة.
فحين تبلغ الأمم منعطفات تاريخية فارقة، لا يكون الرهان على أكثر الأصوات صخبا، بل على أكثر العقول قدرة على تحويل الرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى إنجاز.
وربما لهذا السبب بالذات، لا يتقدم اسم فوزي لقجع اليوم إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره سياسيا جديدا يدخل المعترك الحزبي، بل باعتباره أحد أبرز المرشحين لقيادة مرحلة يرى كثيرون أنها ستحتاج إلى رجل دولة بقدر ما ستحتاج إلى رجل نتائج.





