خارطة طريق نحو 2035.. دراسة تدعو إلى ربط الإصلاح السياسي بالنمو الاقتصادي والرقمنة

أميمة حدري

دعا تقرير استراتيجي جديد إلى ربط الإصلاح السياسي في المغرب بتحقيق النمو الاقتصادي وتسريع التحول الرقمي، عبر خارطة طريق تمتد إلى سنة 2035، معتبرا أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات لا يمكن أن تتحقق من خلال الخطابات الانتخابية أو الحملات التواصلية الظرفية، بل عبر سياسات عمومية قادرة على معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية وتطوير آليات المشاركة الديمقراطية.

واعتبر التقرير الصادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن أزمة المشاركة السياسية ترتبط بشكل وثيق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا أن تراجع الثقة في المؤسسات لا يمكن فصله عن معدلات البطالة والفوارق المجالية وضعف فرص الإدماج الاقتصادي، خاصة في صفوف الشباب.

ومن هذا المنطلق، دعا إلى جعل الاقتصاد في قلب الإصلاح السياسي، عبر نموذج تنموي يضع المواطن في صلب السياسات العمومية بدل الحسابات الانتخابية الضيقة. مقترحا برنامجا اقتصاديا يمتد إلى أفق 2035، يرتكز على أربعة محاور رئيسية تشمل التشغيل، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، والإصلاح الضريبي، إلى جانب تعزيز التنمية المستدامة.

واقترحت الدراسة ضرورة إعادة توزيع الاستثمارات بين الجهات وتقوية دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، مع ربط الامتيازات والحوافز العمومية بخلق فرص شغل حقيقية، خصوصا لفائدة الشباب والنساء.

وفي هذا السياق، راهن التقرير على الاقتصاد الرقمي باعتباره أحد أبرز محركات النمو خلال السنوات المقبلة، داعيا إلى إدماج الشباب في المهن الرقمية وتوسيع الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار، بما يسمح بخلق دينامية اقتصادية جديدة قادرة على تقليص نسب البطالة وتحسين المؤشرات الاجتماعية.

كما رسم التقرير أهدافا اقتصادية وصفها بالطموحة في أفق سنة 2035، من بينها رفع معدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 6 في المائة، مقابل نحو 4.9 في المائة حاليا، إلى جانب خفض معدل البطالة من 13 في المائة إلى حدود 5 في المائة، معتبرا أن تحسين المؤشرات الاقتصادية يشكل مدخلا أساسيا لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.

ولم يتوقف التقرير عند الجانب الاقتصادي، بل انتقل إلى ما وصفه بـ”الهندسة الديمقراطية الجديدة”، حيث منح الرقمنة والذكاء الاصطناعي دورا محوريا في تحديث الممارسة الديمقراطية وتعزيز الشفافية وتطوير آليات المشاركة المواطنة.

وأكد معدو الدراسة أن التكنولوجيا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقريب المواطن من القرار العمومي، عبر منصات رقمية تسمح بتتبع تنفيذ البرامج الحكومية وتقييم السياسات العمومية وتعزيز الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي.

وشدد التقرير على أن الذكاء الاصطناعي، رغم الإمكانيات التي يوفرها، لا يمكن أن يحل محل القرار السياسي أو الإرادة الشعبية، مبرزا أن المواطن يجب أن يظل في صدارة عملية اتخاذ القرار، لا الخوارزميات أو الأنظمة الرقمية.منبها إلى المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المؤطر للمنصات الرقمية، محذرا من تحولها إلى أدوات لتغذية الاستقطاب وصناعة التوترات إذا جرى تصميمها بمنطق جذب الانتباه بدل خدمة النقاش العمومي.

وفي المقابل، دعا التقرير إلى وضع قواعد واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي داخل المجال الديمقراطي، معتبرا أن تأطير استخدام التكنولوجيا يجب أن يسبق تعميمها في الحياة السياسية والمؤسساتية، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عامل جديد لتعميق الاختلالات القائمة.

كما توقف التقرير عند إشكالية الفجوة الرقمية بين المجالين الحضري والقروي وبين مختلف الفئات الاجتماعية، معتبرا أن أي مشروع للديمقراطية الرقمية لن يحقق أهدافه ما لم يواكبه استثمار واسع في التربية الرقمية وتطوير الكفاءات التكنولوجية للمواطنين، حتى يصبحوا قادرين على التفاعل الواعي مع الفضاء العمومي الرقمي والتمييز بين المعلومات والمضامين المتداولة.

وخلصت الدراسة إلى أن المغرب يتوفر على مؤهلات تؤهله للانتقال نحو نموذج ديمقراطي أكثر حداثة يجمع بين التنمية الاقتصادية والتحول الرقمي، غير أن نجاح هذا المسار يظل، بحسب التقرير، رهينا بإرادة سياسية قادرة على جعل التكنولوجيا أداة لخدمة الديمقراطية وتعزيز الثقة، لا بديلاً عن المشاركة الشعبية أو القرار السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى