
حسين العياشي
خبر_ أربكت محكمة الاستئناف في باريس، الثلاثاء، الحسابات السياسية لليمين المتطرف الفرنسي، بعدما أصدرت حكماً يقضي بإدانة زعيمة “التجمع الوطني” مارين لوبان بثلاث سنوات سجناً، بينها سنة واحدة نافذة تُنفذ تحت المراقبة الإلكترونية بواسطة سوار إلكتروني، إلى جانب عقوبة تقضي بحرمانها من الترشح للانتخابات لمدة 15 شهراً، وذلك على خلفية قضية اختلاس أموال مخصصة للبرلمان الأوروبي.
ويحمل الحكم، الذي كان محط ترقب واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية، مفارقة لافتة؛ فمن الناحية القانونية، لا يحرم لوبان من خوض الانتخابات الرئاسية المقررة سنة 2027، بعدما اكتفت المحكمة بعقوبة عدم الأهلية السياسية لمدة تقل عن عامين، وهو ما يبقي باب الترشح مفتوحاً أمامها. غير أن تنفيذ عقوبة السجن تحت السوار الإلكتروني يطرح، عملياً، علامات استفهام كبيرة حول قدرتها على إدارة حملة انتخابية تتطلب حرية كاملة في التنقل والحضور الميداني.
وبررت هيئة المحكمة قرارها بالسعي إلى تحقيق توازن دقيق بين جسامة الأفعال المنسوبة إلى المتهمة، وبين احترام المبادئ الديمقراطية التي تكفل حرية الترشح وحق الناخبين في اختيار ممثليهم، في محاولة واضحة للفصل بين إنزال العقوبة وبين التأثير المباشر في المنافسة السياسية.
غير أن الإشكال لا يقف عند الجانب القانوني. فمارين لوبان كانت قد صرحت في وقت سابق بأن أي مرشح للرئاسة ينبغي أن يكون “حراً بالكامل في تحركاته”، وهو تصريح عاد إلى الواجهة عقب صدور الحكم، بعدما بدا أن المعيار الذي وضعته بنفسها قد يتحول إلى عقبة أمام طموحها الرئاسي.
وفي خضم هذا المشهد، حرص حزب “التجمع الوطني” على إظهار جاهزيته لكل السيناريوهات المحتملة. وأكد رئيس الحزب، جوردان بارديلا، أن الحزب استعد مسبقاً لمختلف المآلات القضائية، في رسالة تستهدف طمأنة القاعدة الانتخابية وإظهار أن المشروع السياسي للحزب لن يتوقف عند مصير زعيمته التاريخية.
ويبرز بارديلا، البالغ من العمر ثلاثين عاماً، بوصفه الوريث السياسي الأكثر ترجيحاً للوبان إذا اضطرت إلى الانسحاب من سباق قصر الإليزيه، بعدما نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ حضوره داخل الحزب وتحول إلى أحد أبرز وجوه اليمين المتطرف الصاعدة في فرنسا.
وتعود جذور القضية إلى تحقيقات كشفت عن نظام اعتمد، بين عامي 2004 و2016، على توظيف مساعدين برلمانيين بأموال البرلمان الأوروبي، بينما كانوا يؤدون في الواقع مهاماً لصالح حزب “الجبهة الوطنية”، الذي كان يحمل هذا الاسم قبل أن يتحول لاحقاً إلى “التجمع الوطني”.
وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت، في 31 مارس 2025، حكماً أكثر تشدداً بحق لوبان، تضمن أربع سنوات سجناً، منها سنتان نافذتان، وغرامة مالية قدرها مائة ألف يورو، إضافة إلى خمس سنوات من عدم الأهلية للترشح مع التنفيذ الفوري. آنذاك، وصفت لوبان القرار بأنه “محاكمة سياسية” واعتبرته جزءاً مما سمته “حملة لملاحقة خصومها”.
ورغم هذه الإدانة، لا تزال مارين لوبان، البالغة من العمر 57 عاماً، إحدى أكثر الشخصيات تأثيراً في المشهد السياسي الفرنسي، بعدما بلغت الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية في مناسبتين متتاليتين أمام إيمانويل ماكرون، وكانت استطلاعات الرأي تضعها ضمن أبرز المرشحين المحتملين لرئاسيات 2027.
وبين حكم قضائي أبقى الباب موارباً أمام ترشحها، وقيود عملية قد تجعل خوض المعركة الانتخابية أكثر تعقيداً، تدخل فرنسا مرحلة جديدة من الضبابية السياسية، فيما تتجه الأنظار إلى القرار الذي ستعلنه لوبان خلال الأسابيع المقبلة، وهو قرار قد يعيد رسم ملامح المنافسة على قصر الإليزيه قبل انطلاق الحملة الرئاسية.





